المقريزي
مقدمة 97
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
كثيرة عليها أوقاف للقرّاء ومدرسة كبيرة للشّافعية ، ولا تكاد تخلو من طرب ولا سيّما في اللّيالي المقمرة ، وهي معظم مجتمعات أهل مصر وأشهر متنزّهاتهم » « 1 » . أمّا ابن بطّوطة - الذي زار مصر في عهد النّاصر محمد بن قلاوون - فوصف قرافة مصر ومزاراتها بقوله : « ولمصر القرافة العظيمة الشّأن ، وهم يبنون بها القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان فتكون كالدّور ، ويبنون بها البيوت ، ويرتّبون القرّاء يقرءون ليلا ونهارا بالأصوات الحسان . ومنهم من يبني الزّاوية والمدرسة إلى جانب التّربة ، ويخرجون في كلّ ليلة جمعة إلى المبيت بها بأولادهم ونسائهم ، ويطوفون على المزارات الشّهيرة ، ويخرجون أيضا للمبيت بها ليلة النّصف من شعبان ، ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل » « 2 » . ومع الفتح الفاطمي لمصر وتأسيس مدينة القاهرة نشأت جبّانات جديدة لخدمة المدينة النّاشئة ، كانت أوّلا جنوب شرق القاهرة وتمتدّ خارج باب زويلة في المنطقة التي يشغلها الآن جامع الصّالح طلائع وشارع الدّرب الأحمر وشارع التّبّانة وشارع باب الوزير والشّوارع المتفرّعة منها ، ( فيما تقدم 2 : 221 ، 3 : 353 ، 367 ، 452 ، وفيما يلي 227 ، 239 ، 845 ) وكثر استخدام هذه الجبّانة على الأخصّ في زمن الشّدّة المستنصريّة منتصف القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ( فيما يلي 845 ) . وبعد وفاة أمير الجيوش بدر الجمالي سنة 487 ه / 1085 م أنشئت جبّانة أخرى خارج باب النّصر شمال القاهرة كان هو أوّل من دفن فيها ، تشغل مكانها الآن قرافة باب النّصر الواقعة بين حيّ الحسينية وشارع المنصورية ( فيما يلي 916 ) . أمّا « قرافة المماليك » ، الواقعة في الصّحراء شرق طريق صلاح سالم الحالي في المنطقة المعروفة الآن ب « ترب الغفير » حول مقابر الشّهداء ، فكانت في الأصل براحا واسعا يعرف بميدان القبق وميدان العيد والميدان الأسود ، يمتدّ بين قلعة الجبل وقبّة النّصر ( فيما يلي 790 ، 920 ) حيث كان فرسان المماليك يؤدّون فيه تدريباتهم منذ أنشأه السّلطان الظّاهر بيبرس سنة 667 ه / 1365 م ( فيما تقدم 3 : 369 - 376 ) ، وترك السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون النّزول إلى هذا الميدان وهجره ابتداء من عام 720 ه / 1320 م ، يقول المقريزي : « وأوّل من ابتدأ فيه بالعمارة الأمير شمس الدّين
--> ( 1 ) ابن جبير : الرحلة 200 ؛ ابن سعيد : المغرب ( قسم مصر ) 10 - 11 . ( 2 ) ابن بطوطة : رحلة ابن بطوطة 1 : 205 .