المقريزي

مقدمة 88

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

« وأمّا الزّوايا فكثيرة ، وهم يسمّونها الخوانق - واحدتها خانقاه - والأمراء بمصر يتنافسون في بناء الزّوايا ، وكلّ زاوية بمصر معيّنة لطائفة من الفقراء وأكثرهم الأعاجم ، وهم أهل أدب ومعرفة بطريقة التّصوّف ، ولكلّ زاوية شيخ وحارس ، وترتيب أمورهم عجيب . ومن عاداتهم في الطّعام أنّه يأتي خادم الزّاوية إلى الفقراء صباحا فيعيّن له كلّ واحد ما يشتهيه من الطّعام ، فإذا اجتمعوا للأكل جعلوا لكلّ إنسان خبزه ومرقه في إناء على حدة لا يشاركه فيه أحد . وطعامهم مرّتان في اليوم ، ولهم كسوة الشّتاء وكسوة الصّيف ، ومرتّب شهري من ثلاثين درهما للواحد في الشّهر إلى عشرين ، ولهم الحلاوة من السّكّر في كلّ ليلة جمعة ، والصّابون لغسل أثوابهم ، والأجرة لدخول الحمّام ، والزّيت للاستصباح . وهم أعزاب ، وللمتزوّجين زوايا على حدة . ومن المشترط عليهم حضور الصّلوات الخمس والمبيت بالزّاوية واجتماعهم بقبّة داخل الزّاوية . ومن عاداتهم أن يجلس كلّ واحد منهم على سجّادة مختصّة به . وإذا صلّوا صلاة الصّبح قرأوا « سورة الفتح » و « سورة الملك » و « سورة عمّ » ، ثم يؤتى بنسخ من القرآن العظيم مجزّأة فيأخذ كلّ فقير جزءا ويختمون القرآن ويذكرون . ثم يقرأ القرّاء على طريقة أهل المشرق ، ومثل ذلك يفعلون بعد صلاة العصر . ومن عاداتهم مع القادم أنّه يأتي باب الزّاوية فيقف به مشدود الوسط وعلى كاهله سجّادة وبيمناه العكّاز وبيسراه الإبريق فيعلم البوّاب خادم الزّاوية بمكانه ، فيخرج إليه ويسأله من أي البلاد أتى ؟ وبأي الزّوايا نزل في طريقه ؟ ومن شيخه ؟ فإذا عرف صحّة قوله أدخله الزّاوية وفرش له سجّادته في موضع يليق به ، وأراه موضع الطّهارة ، فيجدّد الوضوء ، ويأتي إلى سجّادته فيحل وسطه ويصلّي ركعتين ، ويصافح الشّيخ ومن حضر ويقعد معهم . ومن عاداتهم أنّه إذا كان يوم الجمعة أخذ الخادم جميع سجاجيدهم فيذهب بها إلى المسجد ويفرشها لهم هنالك . ويخرجون مجتمعين ومعهم شيخهم فيأتون المسجد ويصلّي كلّ واحد على سجّادتهم ، فإذا فرغوا من