المقريزي
مقدمة 66
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
« ونحن لهذا العهد نرى أنّ العلم والتّعليم إنّما هو بالقاهرة من بلاد مصر ، لما أنّ عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السّنين فاستحكمت فيها الصّنايع وتفنّنت ، ومن جملتها تعليم العلم . وأكّد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السّنين في دولة التّرك من أيّام صلاح الدّين بن أيّوب وهلم جرّا . . . فاستكثروا من بناء المدارس والزّوايا والرّبط ووقفوا عليها الأوقاف المغلّة . . . فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلّات والفوائد وكثر طالب العلم ومعلّمه بكثرة جرايتهم منها ؛ وارتحل إليها النّاس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها » « 1 » . وأكدّ ذلك في « التّعريف » ، يقول في وصف المماليك حكّام مصر والشّام : « أهل هذه الدّولة التّركية بمصر والشّام معنيّون - على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيّوب - بإنشاء المدارس لتدريس العلم ، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التّخلّق بآداب الصّوفيّة السّنّيّة في مطارحة الأذكار ونوافل الصّلوات ، أخذوا ذلك عمّن قبلهم من الدّول الخلافيّة فيختطّون مبانيها ويقفون الأراضي المغلّة للإنفاق منها على طلبة العلم ومتدرّبي الفقراء . . . واقتدى بسنّتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرّياسة والثّروة ، فكثرت المدارس والخوانق بمدينة القاهرة وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصّوفيّة ، وكان ذلك من محاسن هذه الدّولة التّركية وآثارها الجميلة الخالدة » « 2 » . ويصف لنا المقريزي - في الفصل الذي عقده لذكر المدارس مئة مدرسة يعمل بعضها منذ القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي ، وبعضها الآخر كان معطّلا وقت تدوينه لكتابه أو أنهي دوره قصدا مثل « المدرسة الأشرفيّة المستجدّة » التي بناها السّلطان الأشرف شعبان فوق
--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة ، تحقيق علي عبد الواحد وافي ، القاهرة ، 3 : 1025 . ( 2 ) ابن خلدون : التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا ، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي ، القاهرة 1951 ، 279 .