المقريزي

449

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

أنفسهم الأحرار والأبناء « ( a » ، وكانوا يعدّون سائر النّاس عبيدا لهم . فلمّا امتحنوا بزوال الدّولة عنهم على أيدي العرب - وكانت العرب عند الفرس أقلّ الأمم خطرا - تعاظمهم الأمر ، وتضاعفت لديهم المصيبة - وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتّى ، وفي كلّ ذلك يظهر اللّه تعالى الحقّ . وكان من قائميهم شنفاد وأشليس « ( b » والمقلّع « ( c » وبابك وغيرهم ، وقبل هؤلاء رام ذلك عمّار - الملقب خدّاشا - وأبو مسلم السروح ، فرأوا أنّ كيده على الحيلة أنجع ، فأظهر قوم منهم الإسلام ، واستمالوا أهل التّشيّع بإظهار محبّة أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واستبشاع ظلم عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ثم سلكوا بهم مسالك شتّى حتى أخرجوهم عن طريق الهدى . فقوم أدخلوهم إلى القول بأنّ رجلا ينتظر ، يدعى المهدي ، عنده حقيقة الدّين ، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدّين عن كفّار ، إذ نسبوا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى الكفر . وقوم خرجوا إلى القول بادّعاء النّبوّة لقوم سمّوهم به . وقوم سلكوا بهم إلى القول بالحلول ، وسقوط الشّرائع . وآخرون تلاعبوا بهم ، فأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة . وآخرون قالوا : بل هي سبع عشرة صلاة ، في كلّ صلاة خمس عشرة ركعة . وهو قول عبد اللّه بن عمرو بن الحارث الكندي قبل أن يصير خارجيّا صفّريّا . وقد أظهر عبد اللّه بن سبأ الحميري اليهودي الإسلام ليكيد أهله ، فكان هو أصل إثارة النّاس على عثمان بن عفّان - رضي اللّه عنه . أحرق عليّ - رضي اللّه عنه - منهم طوائف أعلنوا بإلهيّته . ومن هذه الأصول حدثت الإسماعيلية والقرامطة . والحقّ الذي لا ريب فيه أنّ دين اللّه تعالى ظاهر لا باطن فيه ، وجوهر لا سرّ تحته ، وهو كلّه لازم كلّ أحد لا مسامحة فيه . ولم يكتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من الشّريعة ولا كلمة ، ولا أطلع أخصّ النّاس به ، من زوجة أو ولد عمّ ، على شيء من الشّريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم . ولا كان عنده صلّى اللّه عليه وسلم سرّ ، ولا رمز ، ولا باطن غير ما دعا النّاس كلّهم إليه . ولو كتم شيئا لما بلّغ كما أمر ، ومن قال هذا فهو كافر بإجماع الأمّة . وأصل كلّ بدعة في الدّين البعد عن كلام السّلف ، والانحراف عن اعتقاد الصّدر الأوّل ؛ حتّى بالغ القدري في القدر فجعل العبد خالقا لأفعاله ، وبالغ الجبري في مقابلته فسلب عنه الفعل والاختيار ، وبالغ المعطّل في التّنزيه فسلب عن اللّه تعالى صفات الجلال ونعوت الكمال ، وبالغ

--> ( a بولاق : الأسياد . ( b بولاق : أشنيس . ( c بولاق : المقفع .