المقريزي
448
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
عنه الصّحابة - رضي اللّه عنهم - وبلّغوها لأمّته - أن يغصّ بها في حلوق الكافرين ، وأن يكون ذكرها نكتا في قلوب كلّ ضالّ معطّل مبتدع يقفو أثر المبتدعة من أهل الطّبائع وعبّاد العلل . فلذلك وصف اللّه تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه ، ووصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أيضا بما صحّ عنه وثبت . فدلّ على أنّ المؤمن إذا اعتقد أنّ اللّه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، وأنّه أحد صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات ، وشجا في حلوق المعطّلة . وقد قال الشّافعيّ ، رحمه اللّه : « الإثبات أمكن » ، نقله الخطّابي . ولم يبلغنا عن أحد من الصّحابة والتّابعين وتابعيهم أنّهم أوّلوا هذه الأحاديث . والذي يمنع من تأويلها إجلال اللّه تعالى عن أن تضرب له الأمثال ، وأنّه إذا نزل القرآن بصفة من صفات اللّه تعالى ، كقوله سبحانه : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الآية 10 سورة الفتح ] ، فإنّ نفس تلاوة هذا يفهم منها السّامع المعنى المراد به ، وكذا قوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ الآية 64 سورة المائدة ] عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إيّاه إلى البخل ، فقال تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [ الآية 64 سورة المائدة ] ، فإنّ نفس تلاوة هذا مبيّنة للمعنى المقصود . وأيضا فإنّ تأويل هذه الأحاديث يحتاج أن يضرب للّه تعالى فيها المثل ، نحو قولهم في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ الآية 5 سورة طه ] : الاستواء : الاستيلاء ، كقولك « استوى الأمير على البلد » . وأنشدوا : « قد استوى بشر على العراق » فلزمهم تشبيه الباري تعالى ببشر . وأهل الإثبات نزّهوا جلال اللّه عن أن يشبّهوه بالأجسام حقيقة ولا مجازا ، وعلموا - مع ذلك - أنّ هذا النّطق يشتمل على كلمات متداولة بين الخالق وخلقه ، وتحرّجوا أن يقولوا مشتركة ، لأنّ اللّه / تعالى لا شريك له . ولذلك لم يتأوّل السّلف شيئا من أحاديث الصّفات ، مع علمنا قطعا أنّها عندهم مصروفة عمّا يسبق إليه ظنون الجهّال من مشابهتها لصفات المخلوقين . وتأمّل تجد اللّه تعالى لمّا ذكر المخلوقات المتولّدة من الذّكر والأنثى في قوله سبحانه : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ الآية 11 سورة الشورى ] ، علم سبحانه ما يخطر بقلوب الخلق فقال عزّ من قائل : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . واعلم أنّ السّبب في خروج أكثر الطّوائف عن ديانة الإسلام : أنّ الفرس كانت من سعة الملك ، وعلوّ اليد على جميع الأمم ، وجلالة الخطر في أنفسها ، بحيث إنّهم كانوا يسمّون