المقريزي

446

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فهذه جملة من أصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية ، والتي من جهر بخلافها أريق دمه . والأشاعرة يسمّون « الصّفاتيّة » لإثباتهم صفات اللّه تعالى القديمة ، ثم افترقوا في الألفاظ الواردة في الكتاب والسّنّة - كالاستواء ، والنّزول ، والأصبع واليد ، والقدم ، والصّورة ، والجنب ، والمجيء - على فرقتين : فرقة تؤوّل جميع ذلك على وجوه محتملة اللّفظ . وفرقة لم يتعرّضوا للتأويل ، ولا صاروا إلى التّشبيه ، ويقال لهؤلاء « الأشعريّة الأثرية » « ( a » . فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال : أحدها : اعتقاد ما يفهم مثله من اللّغة ، وثانيها : السّكوت عنها مطلقا ، وثالثها : السّكوت عنها بعد نفي إرادة الظّاهر ، ورابعها : حملها على المجاز ، وخامسها : حملها على الاشتراك . ولكلّ فريق أدلّة وحجاج تضمّنتها كتب أصول الدّين ، وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [ الآيتان 118 - 119 سورة هود ] ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ الآية 113 سورة البقرة ] . فصل اعلم أنّ اللّه سبحانه طلب من الخلق معرفته بقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الآية 56 سورة الذاريات ] قال ابن عبّاس وغيره : يعرفون . فخلق تعالى الخلق ، وتعرّف إليهم بألسنة الشّرائع المنزّلة ، فعرفه من عرفه سبحانه منهم على ما عرّفهم فيما تعرّف به إليهم . وقد كان النّاس ، قبل إنزال الشّرائع ببعثة الرّسل - عليهم السلام - علمهم / باللّه تعالى إنّما هو بطريق التّنزيه له عن سمات الحدوث ، وعن التّركيب ، وعن الافتقار ، ويصفونه سبحانه بالاقتدار المطلق . وهذا التّنزيه هو المشهور عقلا ، ولا يتعّداه عقل أصلا . فلمّا أنزل اللّه شريعته على رسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأكمل دينه ، كان سبيل العارف باللّه أن يجمع في معرفته باللّه بين معرفتين : إحداهما المعرفة التي تقتضيها الأدلّة العقلية ، والأخرى المعرفة التي جاءت بها الإخبارات الإلهية ، وأن يردّ علم ذلك إلى اللّه تعالى ، ويؤمن به وبكلّ ما جاءت به الشّريعة على الوجه الذي أراده اللّه تعالى ، من غير تأويل بفكره ، ولا تحكّم فيه برأيه .

--> ( a بولاق : الأسرية .