المقريزي
445
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
اللّه تعالى ، واعترف بالرّسل تصديقا لهم فيما جاءوا به ، فهو مؤمن . وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدّنيا من غير توبة ، حكمه إلى اللّه : إمّا أن يغفر له برحمته أو يشفع له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإمّا أن يعذّبه بعدله ، ثم يدخله الجنّة برحمته ، ولا يخلّد في النّار مؤمن . قال : ولا أقول إنّه يجب على اللّه سبحانه قبول توبته بحكم العقل ، لأنّه هو الموجب لا يجب عليه شيء أصلا ، بل قد ورد السّمع بقبول توبة التّائبين ، وإجابة دعوة المضطرّين . وهو المالك لخلقه يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم النّار لم يكن جورا ، ولو أدخلهم الجنّة لم يكن حيفا ، ولا يتصوّر منه ظلم ، ولا ينسب إليه جور ؛ لأنّه الملك المطلق . والواجبات كلّها سمعيّة ، فلا يوجب العقل شيئا ألبتّة ، ولا يقتضي تحسينا ولا تقبيحا . فمعرفة اللّه تعالى ، وشكر المنعم ، وإثابة الطّائع ، وعقاب العاصي ، كلّ ذلك بحسب السّمع دون العقل . ولا يجب على اللّه شيء : لا صلاح ولا أصلح ولا ألطف ، بل الثّواب والصّلاح واللّطف والنّعم ، كلّها تفضّل من اللّه تعالى . ولا يرجع إليه تعالى نفع ولا ضرّ ، فلا ينتفع بشكر شاكر ، ولا يتضرّر بكفر كافر ، بل يتعالى ويتقدّس عن ذلك . وبعث الرّسل جائز لا واجب ولا مستحيل . فإذا بعث اللّه تعالى الرّسول ، وأيّده بالمعجزة الخارقة للعادة ، وتحدّى ودعا النّاس ، وجب الإصغاء إليه ، والاستماع منه ، والامتثال لأوامره ، والانتهاء عن نواهيه . وكرامات الأولياء حقّ ، والإيمان بما جاء في القرآن والسّنّة من الإخبار عن الأمور الغائبة عنّا - مثل اللّوح والقلم ، والعرش والكرسي ، والجنّة والنّار - حقّ وصدق . وكذلك الإخبار عن الأمور التي ستقع في الآخرة : مثل سؤال القبر ، والثّواب والعقاب فيه ، والحشر والمعاد ، والميزان والصّراط ، وانقسام فريق في الجنّة وفريق في السّعير ، كلّ ذلك حقّ وصدق يجب الإيمان والاعتراف به . والإمامة تثبت بالاتّفاق والاختيار دون النّصّ والتّعيين على واحد معيّن ، والأئمّة مترتّبون في الفضل ترتّبهم في الإمامة . قال : ولا أقول في عائشة وطلحة والزّبير ، - رضي اللّه عنهم - إلّا أنّهم رجعوا عن الخطأ . وأقول : إنّ طلحة والزّبير من العشرة المبشّرين بالجنّة ، وأقول في معاوية وعمرو بن العاص : إنّهما بغيا على الإمام الحقّ عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنهم - فقاتلهم مقاتلة أهل البغي . وأقول : إنّ أهل النّهروان الشّراة هم المارقون عن الدّين ، وإنّ عليّا - رضي اللّه عنه - كان على الحقّ في جميع أحواله ، والحقّ معه حيث دار .