المقريزي

439

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وقوي مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بإفريقيّة وبلاد المغرب ، وجهروا ب « مذهب الإسماعيلية » ، وبثّوا دعاتهم بأرض مصر ، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها ، ثم ملكوها سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة ، وبعثوا بعساكرهم إلى الشّام . فانتشرت « مذاهب الرّافضة » في عامّة بلاد المغرب ومصر والشّام وديار بكر والكوفة والبصرة وبغداد وجميع العراق وبلاد خراسان وما وراء النّهر ، مع بلاد الحجاز واليمن والبحرين ، وكانت بينهم وبين أهل السّنّة من الفتن والحروب والمقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته « 1 » . واشتهرت مذاهب الفرق من القدريّة والجهميّة والمعتزلة والكرّاميّة والخوارج والرّوافض والقرامطة والباطنيّة حتى ملأت الأرض . وما منهم إلّا من نظر في الفلسفة ، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره ، فلم يبق مصر من الأمصار ، ولا قطر من الأقطار ، إلّا وفيه طوائف كثيرة ممّن ذكرنا . وكان أبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري قد أخذ عن أبي عليّ محمد بن عبد الوهّاب الجبّائي ، ولازمه عدّة أعوام . ثم بدا له فترك مذهب الاعتزال ، وسلك طريق أبي محمد عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن كلّاب « 2 » ، ونسج على قوانينه في الصّفات والقدر ، وقال بالفاعل المختار ، وترك القول بالتّحسين والتّقبيح العقليين ، وما قيل في مسائل الصّلاح والأصلح ، وأثبت أنّ العقل لا يوجب المعارف قبل الشّرع ، وأنّ العلوم وإن حصلت بالعقل فلا تجب به ولا يجب البحث عنها إلّا بالسّمع ، وأنّ اللّه تعالى لا يجب عليه شيء ، وأن النّبوّات من الجائزات العقلية والواجبات السّمعية ، إلى غير ذلك من مسائله التي هي موضوع أصول الدّين « 3 » .

--> - شيعية المذهب فرضت سيطرتها على مركز الخلافة العباسية في بغداد في الفترة بين سنتي 334 ه / 945 م - 447 ه / 1055 م . ( راجع ، Mufizullah Kabir , The Buwayhid Dynasty of Bagdad , Calcutta 1964 ; Busse , H . , Chalif und Grosskenig . Die Buyiden in Iraq ( 945 - 1055 ) , Beirut 1969 ; Cahen , Cl . , El 2 . ( art . Buwayhides ou Buyides I , pp . 1390 - 97 ( 1 ) انظر فيما تقدم 2 : 176 - 206 . ( 2 ) حاشية بخطّ المؤلّف : « عبد اللّه بن محمد بن سعيد ابن كلّاب ، من قوله : كلام اللّه هو اللّه ، فلذلك كان أبو سهل عباد بن سليمان بن علي البصري المعتزلي أحد أصحاب هشام ابن عمرو الفوطي يقول إنّه نصراني بهذا القول ويتّهمه أنّه أخذ هذا من بعض النّصارى . ومن تصانيفه كتاب « الصّفات » وكتاب « خلق الأفعال » وكتاب « الرّدّ على المعتزلة » ، وهم يعدونه من نابتة الحشوبة . وتوفي في حدود الأربعين ومائتين » . ( 3 ) المذهب الأشعري ، نسبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ( ويقال لأصحابه الأشاعرة والأشعريّة ) ، يمثّل مذهبا وسطا بين موقف المعتزلة العقلي المتطرّف وموقف أهل السّلف من المحدّثين . ورأى الأشعري الأخذ بقول أصحاب الحديث وأهل السّنّة ، ويعدّ الأشعري بهذا المذهب ، هو ومعاصره -