المقريزي

436

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

يجيء في السّحاب ، وأنّ الرّعد صوته والبرق سوطه ، وأنّه لا بدّ أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا . ومن ابن سبأ هذا تشعّبت أصناف الغلاة من الرّافضة ، وصاروا يقولون بالوقف - يعنون أنّ الإمامة موقوفة على أناس معيّنين - : كقول « الإماميّة » بأنّها في الأئمّة الاثني عشر ، وقول « الإسماعيلية » بأنّها في ولد إسماعيل بن جعفر الصّادق . وعنه أيضا أخذوا القول بغيبة الإمام ، والقول برجعته بعد الموت إلى الدّنيا ، كما تعتقده الإمامية إلى اليوم في صاحب السّرداب ، وهو القول بتناسخ الأرواح . وعنه أخذوا أيضا القول بأنّ الجزء الإلهي يحلّ في الأئمّة بعد عليّ بن أبي طالب ، وأنّهم بذلك استحقّوا الإمامة بطريق الوجوب ، كما استحقّ آدم - عليه السّلام - سجود الملائكة ، وعلى هذا الرّأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر . وابن سبأ هذا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان - رضي اللّه عنه - حتى قتل - كما ذكر في ترجمة ابن سبأ من كتاب « التّاريخ الكبير المقفّى » « 1 » - وكان له عدّة أتباع في عامّة الأمصار ، وأصحاب كثيرون في معظم الأقطار . فكثرت لذلك الشّيعة ، وصاروا ضدّ للخوارج ، وما زال أمرهم يقوى وعددهم يكثر . ثم حدث بعد عصر الصّحابة - رضي اللّه عنهم - « مذهب جهم بن صفوان » ببلاد المشرق « 2 » ، فعظمت الفتنة به . فإنّه نفى أن يكون للّه تعالى صفة ، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثّرت في الملّة الإسلامية آثارا قبيحة تولّد عنها بلاء كبير . وكان قبيل المائة من سني الهجرة ، فكثر أتباعه على أقواله التي تؤوّل إلى التّعطيل . فأكبر أهل الإسلام بدعته ، وتمالئوا على إنكارها وتضليل أهلها ، وحذّروا من الجهميّة وعادوهم في اللّه ، وذمّوا من جلس إليهم ، وكتبوا في الرّدّ عليهم ما هو معروف عند أهله . وفي أثناء ذلك حدث « مذهب الاعتزال » ، منذ زمن الحسن بن أبي الحسن البصري - رحمه اللّه - بعد المائتين من سني الهجرة ، وصنّفوا فيه مسائل في العدل والتّوحيد ، وإثبات أفعال العباد ،

--> ( 1 ) لم أقف على ترجمة عبد اللّه بن سبأ في العبادلة فيما وصل إلينا من كتاب « المقفى الكبير » ؛ فواضح من ترتيب نسخة باريس - التي تشتمل على تراجم العبادلة - اختلاط كرّاساتها وسقوط بعضها الآخر ، خاصّة بين عبد اللّه بن زرير الغافقي وعبد اللّه بن عبد الحليم . ( 2 ) حاشية بخط المؤلّف : « جهم بن صفوان مولى راسب ، كان بخراسان فلمّا قام مروان بن محمد الحمار بالأمر واختلف الحارث بن سريج ونصر بن سبأ ، صار جهم مع الحارث فلمّا اقتتلا أسر جهم وقتل في رجب سنة ثمان وعشرين ومائة » . وانظر فيما تقدم 418 .