المقريزي

382

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

بالإسكندرية على الفتك به - وكانت عدّتهم نحوا من مائة - فعقدوا لرئيسهم المهاجر بن أبي المثنّى التّجيبي ، أحد بني فهم ، عليهم عند منارة الإسكندرية ؛ وبالقرب منهم رجل يكنى أبا سليمان ، فبلّغ قرّة ما عزموا عليه . فأتى لهم قبل أن يتفرّقوا ، فأمر بحبسهم في أصل منارة الإسكندرية ، وأحضر قرّة وجوه الجند فسألهم فأقرّوا فقتلهم ، ومضى رجل ممّن كان يرى رأيهم إلى أبي سليمان فقتله . فكان يزيد بن أبي حبيب إذا أراد أن يتكلّم بشيء فيه تقيّة من السّلطان تلفّت وقال : احذروا أبا سليمان . ثم قال : النّاس كلّهم من ذلك اليوم أبو سليمان « 1 » . « ( a » فلمّا قام عبد اللّه بن يحيى - الملقّب بطالب الحقّ - في الحجاز على مروان بن محمد الجعدي « 2 » ، قدم إلى مصر داعيته ودعا النّاس ، فبايع له ناس من تجيب وغيرهم . فبلغ ذلك حسّان ابن عتاهية ، صاحب الشّرطة ، فاستخرجهم ، فقتلهم حوثرة بن سهيل الباهلي أمير مصر من قبل مروان بن محمد « 3 » . فلمّا قتل مروان ، وانقضت أيّام بني أميّة ببني العبّاس في سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، خمدت جمرة أصحاب المذهب المرواني - وهم الذين كانوا يسبّون عليّ بن أبي طالب ويتبرّأون منه - وصاروا منذ ظهر بنو العبّاس يخافون القتل ، ويخشون أن يطّلع عليهم أحد ، إلّا طائفة كانت بناحية الواحات وغيرها ، فإنّهم أقاموا على مذهب المروانية دهرا حتى فنوا ، ولم يبق لهم الآن بديار مصر وجود ألبتّة . فلمّا كان في إمارة حميد بن قحطبة على مصر ، من قبل أبي جعفر المنصور ، قدم إلى مصر عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن « ( b » بن علي بن أبي طالب داعية لأبيه وعمّه ، فذكر ذلك لحميد فقال : هذا كذب . ودسّ إليه أن تغيّب ، ثم بعث إليه من الغد - فلم يجده ،

--> ( a النص في ولاة مصر للكندي : مصدر النّقل : « ثم قال يوما من ذاك : النّاس كلهم أبو سليمان » . ( b بولاق : الحسين . ( 1 ) الكندي : ولاة مصر 85 . ( 2 ) عبد اللّه بن يحيى الكندي الإباضي ، المعروف بطالب الحقّ خرج باليمن سنة 129 ه / 746 م ، وأقام فترة في حضرموت ثم قصد صنعاء ، ولم يلبث أن قتل سنة 130 ه / 747 م . ( راجع ، الطبري : تاريخ 7 : 348 ؛ المسعودي : مروج الذهب 4 : 82 ؛ أبا الفرج الأصفهاني : الأغاني 23 : 224 - 225 ؛ النويري : نهاية الأرب 21 : 535 - 536 ) . ( 3 ) الكندي : ولاة مصر 114 .