المقريزي
363
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
من سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، سأل من بحضرته من الصّحابة - رضي اللّه عنهم - عن ذلك ، فإن وجد عندهم علما من ذلك رجع إليه وإلّا اجتهد في الحكم . ولمّا مات أبو بكر وولي أمر الأمّة من بعده « عمر بن الخطّاب » - رضي اللّه عنه - فتحت الأمصار وزاد تفرّق الصّحابة - رضي اللّه عنهم - فيما افتتحوه من الأقطار . فكانت الحكومة تنزل بالمدينة أو غيرها من البلاد ، فإن كان عند الصّحابة الحاضرين لها في ذلك أثر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حكم به ، وإلّا اجتهد أمير تلك المدينة « ( a » في ذلك . وقد يكون في تلك القضيّة حكم عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، موجود عند صاحب آخر « b ) » في بلد آخر « ( b » . وقد حضر المدنيّ ما لم يحضر المصريّ ، وحضر المصريّ ما لم يحضر الشّاميّ ، وحضر الشّاميّ ما لم يحضر البصريّ ، وحضر البصريّ ما لم يحضر الكوفيّ ، وحضر الكوفيّ ما لم يحضر المدنيّ ؛ كلّ هذا موجود في الآثار ، وفيما علم من مغيب بعض الصّحابة عن مجلس النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في بعض الأوقات وحضور غيره ، ثم مغيب الذي حضر أمس وحضور الذي غاب ، فيدري كلّ واحد منهم ما حضر ، ويفوته ما غاب عنه . فمضى « الصّحابة » - رضي اللّه عنهم - على ما ذكرنا ، ثم خلف بعدهم التّابعون الآخذون عنهم . وكلّ طبقة من « التّابعين » في البلاد التي تقدّم ذكرها ، فإنّما تفقّهوا مع من كان عندهم من الصّحابة ، فكانوا لا يتعدّون فتاويهم إلّا اليسير ممّا بلغهم عن غير من كان في بلادهم من الصّحابة - رضي اللّه عنهم - : كاتّباع أهل المدينة - في الأكثر - فتاوى عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - واتّباع أهل الكوفة - في الأكثر - فتاوى عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - واتّباع أهل مكّة في الأكثر فتاوى عبد اللّه بن عبّاس - رضي اللّه عنهما - واتّباع أهل مصر - في الأكثر - فتاوى عبد اللّه بن عمرو بن العاص - رضي اللّه عنهما . ثم أتى من بعد التّابعين - رضي اللّه عنهم - « فقهاء الأمصار » - كأبي حنيفة ، وسفيان ، وابن أبي ليلى بالكوفة ، وابن جريج بمكّة ، ومالك وابن الماجشون بالمدينة ، وعثمان البتّي وسوار بالبصرة ، والأوزاعي بالشّام ، واللّيث بن سعد بمصر - فجروا على تلك الطّريق من أخذ كلّ واحد منهم عن التّابعين من أهل بلده فيما كان عندهم ، واجتهادهم
--> ( a بولاق : البلدة . ( b - b ساقطة من بولاق .