المقريزي
مقدمة 51
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ووجدت هذه السّياسة تأييدا واضحا من نور الدّين محمود خلال مواجهته للفرنج الصّليبيين في أواسط هذا القرن ، حيث أنشأ العديد من المدارس للفقهاء الشّافعيّة « في دمشق وحلب وحماه وحمص وبعلبك ومنبج والرّحبة » « 1 » ، رغم كونه حنفيّا ، كما أسّس أوّل « دار للحديث » في دمشق سنة 567 ه / 1171 م . وتبنّى هذه السّياسة بعد ذلك صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بعد نجاحه في القضاء على الدّولة الفاطمية ووضعه نهاية لها ، حيث أدخل إلى مصر المذهب الأشعري ، ثم تبعه خلفاؤه في إنشاء المدارس بمعنى الكلمة ( فيما يلي 55 * - 56 * ، و 484 ه « 2 » ) . وقد أبان المقريزيّ في نصّ جامع أورده في بداية الفصل الذي خصّصه لذكر المدارس عن نشأة المدارس وتطوّرها ، ولماذا لم تعرف مصر نظام المدرسة قبل العصر الأيّوبي ، يقول : « والمدارس ممّا حدث في الإسلام ، ولم تكن تعرف في زمن الصّحابة ولا التّابعين ، وإنّما حدث عملها بعد الأربع مائة من سني الهجرة . وأوّل من حفظ عنه أنّه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور فبنيت بها المدرسة البيهقيّة ، وبنى بها أيضا الأمير نصر بن سبكتكين مدرسة ، وبنى بها أخوه السّلطان محمود بن سبكتكين مدرسة ، وبنى بها أيضا المدرسة السّعديّة ، وبنى بها أيضا مدرسة رابعة . وأشهر ما بني في القديم المدرسة النّظاميّة ببغداد لأنّها أوّل مدرسة قرّر بها للفقهاء معاليم ، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العبّاس الطّوسي وزير ملكشاه ابن ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق في مدينة بغداد ، وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربع مائة ، وفرغت في ذي القعدة
--> ( 1 ) ابن خلكان : وفيات الأعيان 5 : 185 . ( 2 ) هذا نصّ المقريزي في المبيّضة ، أمّا نصّ المسوّدة فجاء بالصّيغة التالية : « اعلم أنّه لم يكن في زمن الخلفاء الفاطميين مدارس ولا يعرفونها ، وكان فقهاؤهم ينتحلون مذاهب الإسماعيلية من جملة مذاهب الشّيعة . وأوّل ما عرف بالقاهرة درس عمل للفقهاء ؛ الدّرس الذي رتّبه الوزير أبو الفرج بن كلّس بالجامع الأزهر كما تقدّم ذكره . وأوّل من بنى المدارس في دولة الإسلام الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن إسحاق وزير السّلطان ألب أرسلان السّلجوقيّ ووزير ولده ملكشاه من بعده ، فإنّه بنى المدرسة النّظاميّة ببغداد في سنة [ سبع وخمسين ] وأربع مائة ، ورتّب في تدريسها الشّيخ أبا إسحاق الشّيرازي مؤلّف كتاب « التّنبيه » و « المهذّب » في الفقه وغير ذلك ممّا هو معروف في التّواريخ » . ( مسوّدة الخطط 82 و ) .