المقريزي
304
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
واتّفق أنّه كان قد حجّ محمد بن يوسف مقدّم الدّولة في تجمّل « ( a » كثير بلغ عليق جماله في اليوم مائتي عليقة . ولمّا قدم في المحرّم مع الحاج ، أهدى للنّائب وللوزير وللأمير طاز وللأمير صرغتمش هدايا جليلة ، ولم يهد للأمير شيخو ولا للأمير مغلطاي شيئا . ثم لمّا عاب النّاس عليه ذلك أهدى بعد عدّة أيّام للأمير شيخو هديّة ، فردّها عليه . ثم إنّه أنكر على الوزير في مجلس السّلطان ما يفعله ولاة البر ، وما عليه مقدّم الدّولة من كثرة المال ، وأغلظ في القول . فرسم بعزل الولاة ، والقبض على المقدّم محمد بن يوسف وابن عمه المقدّم أحمد بن زيد ، فلم يسع الوزير غير السّكوت . فلمّا كان في رابع عشرين شوّال سنة إحدى وخمسين ، قبض على الوزير منجك وقيّد ، ووقعت الحوطة على سائر حواصله ، فوجدت له زردخاناه حمل خمسين جملا ، ولم يظهر من النّقد / كثير مال فأمر بعقوبته . فلمّا خوّف أقرّ بصندوق فيه جوهر ، وقال : سائر ما كان يتحصّل لي من النّقد كنت أشتري به أملاكا وضياعا وأصناف المتاجر . فأحيط بسائر أمواله وحمل إلى الإسكندرية مقيّدا ، واستقرّ الأمير بلبان السّناني نائب البيرة أستادّارا عوض منجك بعد حضوره منها ، وأضيفت الوزارة إلى القاضي علم الدّين بن زنبور ناظر الخاصّ . فلم يزل منجك مسجونا بالإسكندرية إلى أن خلع الملك النّاصر حسن ، وأقيم بدله في المملكة أخوه الملك الصّالح صالح ، فأمر بالإفراج عن الأمير شيخو والأمير منجك ، فحضرا إلى القاهرة في رجب سنة اثنتين وخمسين . ولمّا استقرّ الأمير منجك بالقاهرة ، بعث إليه الأمير شيخو خمس رؤوس خيل وألفي دينار ، وبعث إليه جميع الأمراء بالتّقادم . وأقام بطّالا « 1 » يجلس على حصير فوقه ثوب سرج عتيق ، وكلّما أتاه أحد من الأمراء يبكي ويتوجّع ويقول : « أخذ جميع مالي حتى صرت على الحصير » . ثم كتب فتوى تتضمّن أنّ رجلا مسجونا في قيد ، هدّد بالقتل إن لم يبع أملاكه ، وأنّه خشي على نفسه القتل فوكّل في بيعها . فكتب له الفقهاء « لا يصحّ بيع المكره » . ودار على الأمراء ، وما زال بهم حتى تحدّثوا له مع
--> ( a بولاق : محمل . ( 1 ) البطّالون من الأمراء والأجناد هم العاطلون من أعمال الدّولة ووظائفها وإقطاعاتها ، نتيجة غضب السّلطان أو كبر السّنّ ، أو اضطرارا إلى الاعتكاف والاختفاء ، أو لمجرّد حبّ الانزواء والابتعاد . ( المقريزي : السلوك 1 : 73 ه 4 ) .