المقريزي

272

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وفي هذا الجامع عجائب من البنيان منها : أنّ ذرع إيوانه الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها - ويقال إنّه أكبر من إيوان كسرى الذي بالمدائن من العراق بخسمة أذرع - ومنها القبّة العظيمة التي لم يبن بديار مصر والشّام والعراق والمغرب واليمن مثلها ، ومنها المنبر الرّخام الذي لا نظير له ، ومنها البوّابة العظيمة ، ومنها المدارس الأربع التي بدور قاعة الجامع إلى غير ذلك « 1 » . وكان السّلطان قد عزم على أن يبني أربع منائر يؤذّن عليها ، فتمّت ثلاث منائر « ( a » ، إلى أن كان يوم السبت سادس شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبع مائة ، فسقطت المنارة التي على الباب ، فهلك تحتها نحو ثلاث مائة نفس من الأيتام الذين كانوا قد رتّبوا بمكتب السّبيل الذي هناك ومن غير الأيتام ، وسلم من الأيتام ستّة أطفال ، فأبطل السّلطان بناء هذه المنارة وبناء نظيرتها ، وتأخّر هناك منارتان هما قائمتان إلى اليوم . ولمّا سقطت المنارة المذكورة ، لهجت عامّة مصر والقاهرة بأنّ ذلك منذر بزوال الدّولة « 2 » ، فقال الشّيخ بهاء الدّين أبو حامد أحمد بن عليّ ابن محمد السّبكي في سقوطها : [ البسيط ] أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى * بشيره بمقال سار كالمثل إنّ المنارة لم تسقط لمنقصة * لكن لسرّ خفيّ قد تبيّن لي من تحتها قرئ القرآن فاستمعت * فالوجد في الحال أدّاها إلى الميل لو أنزل اللّه قرآنا على جبل * تصدّعت رأسه من شدّة الوجل تلك الحجارة لم تنقضّ بل هبطت * من خشية اللّه لا للضّعف والخلل وغاب سلطانها فاستوحشت ورمت * بنفسها لجوى في القلب مشتعل فالحمد للّه حظّ العين زال بما * قد كان قدّره الرّحمن في الأزل لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة * شيّدت بنيانها بالعلم والعمل ودمت حتى ترى الدّنيا بها امتلأت * علما فليس بمصر غير مشتغل فاتّفق قتل السّلطان بعد سقوط المئذنة « ( b » بثلاثة وثلاثين يوما . ومات السّلطان قبل أن يتم رخام

--> ( a بولاق : منابر . ( b بولاق : المنارة . ( 1 ) انظر كذلك الوصف التّفصيلي الذي قدّمه الحسن بن عمر بن حبيب ، الذي عاصر بناء الجامع . ( ابن حبيب : تذكرة النبيه 3 : 209 - 210 ) . ( 2 ) المقريزي : السلوك 3 : 60 .