المقريزي

252

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ثم بنى هناك شرف الدّين بن زنبور ساقية ، وعمّر بجوارها رجل يعرف بالحاج محمد بن عزّ الفرّاش دارا تشرف على النّيل ، وتردّد إليها ، فلمّا مات أخذها شخص يقال له تاج الدّين ابن الأزرق ناظر الجهات ، وسكنها ، فعرفت بدار الفاسقين لكثرة ما يجري فيها من أنواع المحرّمات « ( a » . فاتّفق أنّ النّشو ناظر الخاصّ قبض على ابن الأزرق وصادره ، فباع هذه الدّار في جملة ما باعه من موجوده . فاشتراها منه الأمير عزّ الدّين أيدمر الخطيري وهدمها ، وبنى مكانها هذا الجامع ، وسمّاه « جامع التّوبة » وبالغ في عمارته ، وتأنّق في رخامه ، فجاء من أجلّ جوامع مصر وأحسنها . وعمل له منبرا من رخام في غاية الحسن ، وركّب فيه عدّة شبابيك من حديد تشرف على النّيل الأعظم ، وجعل فيه خزانة كتب جليلة نفيسة ، ورتّب فيه درسا للفقهاء الشّافعية ، ووقف عليه عدّة أوقاف منها داره العظيمة التي هي في الدّرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس . فكان « ( b » جملة ما أنفق في عمارة « ( c » هذا الجامع أربع مائة ألف درهم نقرة ، وكملت عمارته في سنة سبع وثلاثين وسبع مائة ، وأقيمت به الجمعة في يوم الجمعة عشرين جمادى الآخرة « 1 » . فلمّا خلص ابن الأزرق من المصادرة حضر إلى الأمير الخطيري وادّعى أنّه باع داره وهو مكره ، فدفع إليه ثمنها مرّة ثانية .

--> ( a المسوّدة : لكثرة ما يمضي اللّه فيها . ( b بولاق : وكان . ( c ساقطة من بولاق . ( 1 ) أوّل من ولي خطابته وإمامته وتدريسه الشّيخ كمال الدّين أبو محمد ( وأبو العبّاس ) أحمد بن عمر بن مهدي النّشائي ، المتوفى يوم الأحد حادي عشر صفر سنة 757 ه / 1356 م . ( المقريزي : السلوك 3 : 31 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 10 : 323 - 324 ) .