المقريزي
مقدمة 38
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
المساجد الجامعة ذات الأروقة في مصر الإسلامية حتى « جامع المؤيّد شيخ » - الذي بدئ في بنائه سنة 818 ه / 1415 م - الذي يعدّ آخر هذه النوعية من المساجد في العصر المملوكي . ويعدّ جامع ابن طولون كذلك نقطة تحوّل هامّة في تاريخ العمارة الإسلامية ، لأنّه بني من موادّ جديدة تماما وليس من أسلاب الكنائس والمعابد القديمة ، حيث استخدم في بناء عقوده ودعائمه الآجر بدلا من استخدام عواميد الرّخام حتى يتمكّن من مقاومة الحريق . ويشبه التّخطيط الأصلي ل « جامع القاهرة » - الذي عرف فيما بعد ب « الجامع الأزهر » - تخطيط جامع ابن طولون وتخطيط جامع المهديّة ، أوّل جامع شيّده الفاطميون في شمال أفريقيا . والجامع الذي نراه اليوم ليس كلّه بالجامع الفاطمي الذي وضع أساسه جوهر الصّقلبي سنة 359 ه / 970 م ، بل هو مجموعة من المباني ضمّت إليه في أزمنة لاحقة هي من الغرب : الرّواق العبّاسي والمدرسة الطّيبرسيّة ومدخل قايتباي والمدرسة الآقبغاويّة ثم الميضأة والمدرسة الجوهريّة ، ثم جميع الإيوان المضاف خلف المحراب الفاطمي والذي أقامه ، في القرن الثّاني عشر الهجري / الثامن عشر الميلادي ، عبد الرحمن كتخدا ، الذي يوجد ضريحه في الجهة الجنوبية الغربية للجامع . ولم يبق من الجامع الفاطمي سوى المجاز أو الرّواق الأوسط المتّجه إلى المحراب الفاطمي وعقوده ، وهي الجزء الوحيد الباقي من العقود القديمة . أمّا « جامع الحاكم » - الذي يعرف أيضا ب « الجامع الأنور » - فقد جمع في تخطيطه بين عناصر إفريقيّة وعناصر مصريّة ؛ فتخطيط الجامع - بلا جدال - يماثل تخطيط جامع ابن طولون ، ويفتح مدخل الجامع الرّئيس في منتصف جدار مؤخّر الجامع في موضع يقابل المحراب ، وهو يتّفق في ذلك مع مدخل جامع المهديّة . ويبرز المدخل الرّئيس خارج سمت جدار المؤخّر ، متّخذا هيئة برجين يتوسّطهما ممرّ يؤدّي إلى باب ، بحيث أصبح شكل المدخل يماثل البوّابة بالمعنى المصطلح عليه في عمارة الأسوار ، بينما كانت المداخل الرّئيسة قبل ذلك تفتح عادة في الجدارين الجانبيين غير جداري القبلة والمؤخّر كما هو واضح في جامع ابن طولون ؛ وقد تكرّر هذا الطّراز في الجامع - الأقمر ( 519 ه / 1125 م ) وجامع الظّاهر بيبرس ( 665 ه / 1266 م ) ، ولكن بأبعاد مختلفة . ومئذنتا هذا الجامع طراز فريد بين المآذن في مصر الإسلامية وقد بنيتا من الحجارة : واحدة في الرّكن الغربي الشّمالي ، والأخرى في الرّكن الشّمالي الشّرقي على شكل محور أسطواني تحيط به كتلة مربّعة الشكل أضيفت في مطلع القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي ، ونجد أنموذجا