المقريزي
213
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وضربت السّكّة باسمه في بغداد « ( a » في شوّال سنة إحدى وأربعين وسبع مائة قبل موته ، تولّى ذلك الشّيخ حسن بن حسين ، بحضور الأمير شهاب الدّين أحمد قريب السّلطان ، وقد توجّه من مصر بهذا السّبب . وخطب له أيضا أرتنا ببلاد الرّوم « 1 » ، وضربت السّكّة باسمه ، وكذلك ببلاد ابن قرمان وجبال الأكراد وكثير من بلاد الشّرق . وكان من الذّكاء المفرط على جانب عظيم ، يعرف مماليك أبيه ومماليك الأمراء بأسمائهم ووقائعهم ، وله معرفة تامّة بالخيل وقيّمها ، مع الحشمة والسّيادة ؛ لم يعرف عنه قطّ أنّه شتم أحدا من خلق اللّه ، ولا سفّه عليه ، ولا كلّمه بكلمة سيّئة ، وكان يدعو الأمراء أرباب الأشغال بألقابهم . وكانت همّته عليّة ، وسياسته جيّدة ، وحرمته عظيمة إلى الغاية ، ومعرفته بمهادنة الملوك لا مرمى وراءها يبذل في ذلك من الأموال ما لا يوصف كثرة ، فكان كتابه ينفذ أمره في سائر أقطار الأرض كلّها . وهو مع ما ذكرنا مؤيّد في كلّ أموره ، مظفّر في جميع أحواله ، مسعود في سائر حركاته ، ما عانده أحد أو أضمر له سوءا إلّا وندم على ذلك أو هلك . واشتهر في حياته بديار مصر أنّه إن وقعت قطرة من دمه على الأرض لا يطلع نيل مصر مدّة سبع سنين . فمتّعه اللّه من الدّنيا بالسّعادة العظيمة في المدّة الطّويلة ، مع كثرة الطّمأنينة والأمن وسعة الأموال . واقتنى كلّ حسن ومستحسن من الخيل والغلمان والجواري ، وساعده الوقت في كلّ ما يحب ويختار إلى أن أتاه الموت .
--> ( a في بغداد : ساقطة من بولاق . ( 1 ) الأمير علم الدّين أرتنا - بفتح الهمزة وبعد الراء المفتوحة تاء ثالثة الحروف ساكنة ثم نون وألف - كان حاكما ببلاد الرّوم من قبل الملك بو سعيد أحد إيلخانات فارس . فلمّا مات بو سعيد كاتب أرتنا السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون ليكون نائبا له ، فأجابه النّاصر محمد إلى ذلك وبعث إليه بالخلع السّنيّة ولقّبه « نائب السّلطنة الشّريفة بالبلاد الرّومية » ؛ وتوفي أرتنا سنة 753 ه / 1352 م . ( الصفدي : أعيان العصر 1 : 448 - 449 ، الوافي بالوفيات 8 : 337 - 338 ؛ المقريزي : السلوك 2 : 186 - 187 ه 5 ؛ ابن حجر : الدرر الكامنة 1 : 371 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 10 : 289 ، المنهل الصافي 2 : 294 ) .