المقريزي

209

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ثم حضر من الكرك إلى الشّام وجمع العساكر ، فخامر على بيبرس معظم جيش مصر وانحلّ أمره ، فترك الملك في يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان سنة تسع وسبع مائة . وطلع الملك النّاصر إلى قلعة الجبل يوم عيد الفطر من السنة المذكورة ، واستولى على ممالك مصر والشّام والحجاز . فأقام في الملك من غير منازع له فيه إلى أن مات بقلعة الجبل في ليلة الخميس الحادي والعشرين من ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبع مائة ، وعمره سبع وخمسون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيّام . وله في ولايته الثّالثة مدّة اثنتين وثلاثين سنة وشهرين وعشرين يوما . وجملة إقامته في الملك عن المدد الثّلاث ، ثلاث وأربعون سنة وثمانية أشهر وتسعة أيّام . ولمّا مات ترك ليلته ومن الغد حتى تمّ الأمر لابنه أبي بكر المنصور في يوم الخميس المذكور . ثم أخذ في جهازه ، فوضع في محفّة بعد العشاء الآخرة بساعة ، وحمل على بغلين ، وأنزل من القلعة إلى الإسطبل السّلطاني . وسار به الأمير ركن الدّين بيبرس الأحمدي أمير جاندار ، والأمير نجم الدّين أيّوب والي القاهرة ، والأمير قطلوبغا الذّهبي ، وعلم دار أخو طاجار الدّوادار . وعبروا به إلى القاهرة من باب النّصر ، وقد غلّقت الحوانيت كلّها ، ومنع النّاس من / الوقوف للنّظر إليه ، وقدّام المحفّة شمعة واحدة في يد علم دار . فلمّا دخلوا به من باب النّصر ، كان قدّامه مسرجة في يد بيّات « ( a » وشمعة واحدة ، وعبروا به المدرسة المنصوريّة بين القصرين ليدفن عند أبيه الملك المنصور قلاوون . وكان الأمير علم الدّين سنجر الجاولي ، ناظر المارستان ، قد جلس ومعه القضاة الأربعة وشيخ الشّيوخ ركن الدّين شيخ خانقاه سرياقوس ، والشّيخ ركن الدّين عمر ابن الشّيخ إبراهيم الجعبري . فحطّت المحفّة وأخرج منها ، فوضع بجانب الفسقيّة التي بالقبّة ، وأمر ابن أبي الطّاهر مغسّل الأموات بتغسيله ، فقال : هذا ملك ، ولا أنفرد بتغسيله إلّا أن يقوم أحد منكم ويجرّده على الدّكّة ، فإنّي أخشى أن يقال كان معه فصّ أو خاتم أو في عنقه خرزة . فقام قطلوبغا الذّهبي وعلم دار ، وجرّداه مع الغاسل من ثيابه . فكان على رأسه قبغ أبيض من قطن بنائه ، وعلى بدنه بغلطاق صدر أبيض وسراويل فنزعا ، وترك المقيص عليه وغسّل به ، ووجد في رجله الموجوعة بخشان مفتوحان . فغسّل من فوق القميص ، وكفّن في نصفيّة ، وعملت له أخرى طرّاحة ومخدّة ، ووضع في تابوت من خشب ، وصلّى عليه قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز ابن محمد بن جماعة الشّافعي بمن حضر .

--> ( a بولاق : شاب .