المقريزي

163

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وأطلق في نصف ذي القعدة وهو مريض ، فأخرج إلى دمياط وأقام بها مدّة ، ثم أحضر إلى القاهرة ، وقلّد وظيفة الوزارة في سنة خمس وثمان مائة وجعل مشيرا « 1 » . فأبطل مكوس النّحيرة « ( a » - وهو ما يؤخذ على ما يذبح من البقر والغنم - واستعمل في أموره العسف ، وترك مداراة الأمراء واستعجل . فقبض عليه وعوقب ، وسجن إلى أن أخرج في رمضان سنة سبع وثمان مائة ، وقلّد وظيفة الإشارة - وكانت للأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار - فلم يترك عادته في الإعجاب برأيه ، والاستبداد بالأمور ، واستعجال الأشياء قبل أوانها . فقبض عليه في ذي الحجّة منها ، وسلّم للأمير جمال الدّين يوسف ، فعاقبه وبعث به إلى الإسكندرية ، فسجن بها إلى أن سعى جمال الدّين في قتله ، بمال بذله للنّاصر فيه حتى أذن له في ذلك ، فقتل خنقا عصر يوم الجمعة - وهو صائم - السّابع عشر من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثمان مائة - / رحمه اللّه - « b ) » عن بضع وثلاثين سنة « ( b » . وكان كثير النّسك من الصّلاة والصّوم والصّدقة . لا يخلّ بشيء من نوافل العبادات ، ولا يترك قيام اللّيل سفرا ولا حضرا ، ولا يصلّي قطّ إلّا بوضوء جديد ، وكلّما أحدث توضّأ ، وإذا توضّأ صلّى ركعتين . وكان يصوم يوما ويفطر يوما ، ويخرج في كثرة الصّدقات عن الحدّ ، ويقرأ في كلّ ثلاثة أيّام ختمة ، ولا يترك أوراده في حال من الأحوال مع المروءة والهمّة . وسمع كثيرا من الحديث ، وقرأ بنفسه على المشايخ ، وكتب الخطّ المليح ، وقرأ القراءات السّبع ، وعرف التّصوّف والفقه والحساب والنّجوم ، إلّا أنّه كان متهوّرا في أخذ الأموال ، عسوفا لجوجا مصمّما ، لا ينقاد إلى أحد ، ويستبدّ برأيه فيغلط غلطات لا تحتمل ، ويستخفّ بغيره ، ويعجب بنفسه ، ويريد أن يجعل غاية الأمور بدايتها . فلذلك لم يتمّ له أمر .

--> ( a بولاق : البحيرة ، ودرر العقود : ميسم النحيرة . ( b - b إضافة من درر العقود الفريدة . ( 1 ) المقريزي : درر العقود الفريدة 3 : 547 ، السلوك 3 : 1149 .