المقريزي

125

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وتشتمل الخطبة على ألفاظ جزلة ، ويذكر من سلف من آبائه حتى يصل إلى نفسه ، فقال وأنا أسمعه : « اللّهم وأنا عبدك وابن عبدك ، لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا » . ويتوسّل بدعوات فخمة تليق بمثله ، ويدعو للوزير إن كان ، وللجيوش بالنّصر والتأليف ، وللعساكر بالظّفر ، وعلى الكافرين والمخالفين بالهلاك والقهر ، ثم يختم بقوله : « اذكروا اللّه يذكركم » ، فيطلع إليه من زرّر عليه ، ويفكّ ذلك التّزرير وينزل القهقرى . وسبب التّزرير عليهم قراءتهم من مسطور لا كعادة الخطباء . فينزل الخليفة ، ويصير على تلك الطّرّاحات الثلاث في المحراب وحده إماما ، ويقف الوزير وقاضي القضاة صفّا ، ومن ورائهما الأستاذون المحنّكون والأمراء المطوّقون . وأرباب الرّتب من أصحاب السّيوف والأقلام ، والمؤذّنون وقوف وظهورهم إلى المقصورة لحفظه . فإذا سمع الوزير الخليفة أسمع القاضي ، فأسمع القاضي المؤذّنين ، وأسمع المؤذّنون النّاس . هذا والجامع مشحون بالعالم للصّلاة وراءه ، فيقرأ ما هو مكتوب في السّتر الأيمن في الرّكعة الأولى ، وفي الرّكعة الثانية ما هو مكتوب في السّتر الأيسر ، وذلك على طريق التّذكار خيفة الإرتاج « ( a » . فإذا فرغ خرج النّاس وركبوا أوّلا فأوّلا ، وعاد طالبا القصر والوزير وراءه ، وضربت البوقات والطّبول في العود . فإذا أتت الجمعة الثّانية ركب إلى الجامع الأزهر من القشّاشين « 1 » ، على المنوال الذي ذكرناه والقالب الذي وصفناه . فإذا كانت الجمعة الثّالثة أعلم بركوبه إلى مصر للخطابة في جامعها ، فيزيّن له من باب القصر أهل القاهرة إلى جامع ابن طولون ، ويزيّن له أهل مصر من جامع ابن طولون إلى الجامع بمصر ، يرتّب ذلك والي مصر : كلّ أهل معيشة في مكان . فيظهر المختار من الآلات والسّتور المثمّنات ، ويهتمون بذلك ثلاثة أيّام بلياليهن ، والوالي مارّ وعائد بينهم ، وقد ندب من يحفظ النّاس ومتاعهم . فيركب يوم الجمعة المذكور شاقّا / لذلك كلّه على الشّارع الأعظم إلى مسجد عبد اللّه « 2 » الخراب اليوم ، إلى دار الأنماط ، إلى الجامع بمصر . فيدخل إليه من المعونة - ومنها باب متّصل بقاعة الخطيب - بالزيّ الذي تقدّم ذكره في خطبة الجامعين بالقاهرة وعلى ترتيبهما . فإذا

--> ( a بولاق : الارتجاج . ( 1 ) حاشية بخطّ المؤلّف : « القشّاشين يعرف اليوم بالخرّاطين » . ( 2 ) انظر عن مسجد عبد اللّه وموقعه فيما تقدم 2 : 125 ه 5 .