المقريزي

120

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

تعالى عليه - من أنّ للواقف أن يشترط في وقفه التّغيير والزّيادة والنّقص وغير ذلك - فأحضر الكركي الموقّع إليه الكتاب مطويّا ، فقرأ منه طرّته وخطبته وأوّله ، ثم طواه وأعاده إليه مطويّا ، وقال : اشهدوا بما فيه - دون قراءة وتأمّل - فشهدوا هم بالتّفصيل الذي كتبوه وقرّروه مع الهرماس . ولمّا اطّلع السّلطان على ذلك بعد نفي الهرماس ، طلب الكركي وسأله عن هذه الواقعة . فأجاب بما قد ذكرنا ، واللّه أعلم بصحّة ذلك ، غير أنّ المعلوم المقرّر أنّ السّلطان ما قصد إلّا مصالح الجامع ، نعم سأله أزدمر الخازندار : هل وقفت حصّة لطيفة على أولاد الهرماس ، فإنّه قد ذكر ذلك ؟ فقال : نعم ، أنا وقفت عليهم جزءا يسيرا لم أعلم مقداره . وأمّا التّفصيل المذكور في كتاب الوقف فلم أتحقّقه ولم أطّلع عليه . فاستفتى المفتين في هذه الواقعة . فأمّا المفتون - كابن عقيل ، وابن السّبكي ، والبلقيني والبسطامي ، والهندي ، وابن شيخ الجبل ، والبغدادي ونحوهم - فأجابوا ببطلان الحكم المترتّب على هذه الشّهادة الباطلة وبطلان التّنفيذ ، وكان الحنفيّ حكم والبقيّة نفّذوا . وأمّا الحنفيّ فقال : إنّ الوقف إذا صدر صحيحا على الأوضاع الشّرعية ، فإنّه لا يبطل بما قاله الشّاهد ، وهو جواب عن نفس الواقعة . وأمّا الشّافعيّ فكتب ما مضمونه : إنّ الحنفيّ إن اقتضى مذهبه بطلان ما صحّحه أوّلا ، نفذ بطلانه ، وحاصل ذلك أنّ القضاة أجابوا بالصّحّة ، والمفتين أجابوا بالبطلان . فطلب السّلطان المفتين والقضاة . فلم يحضر من الحكّام غير نائب الشّافعي ، وهو تاج الدّين محمد بن إسحاق بن المناوي ، والقضاة الثلاثة الشّافعيّ والحنفيّ والحنبليّ وجدوا مرضى لم يمكنهم الحضور إلى سرياقوس - فإنّ السّلطان كان قد سرح إليها على العادة في كلّ سنة - فجمعهم السّلطان في برج من القصر الذي بميدان سرياقوس عشاء الآخرة ، وذكر لهم القضيّة ، وسألهم عن حكم اللّه تعالى في الواقعة . فأجاب الجميع بالبطلان غير المناوي ، فإنّه قال : مذهب أبي حنيفة أنّ الشّهادة الباطلة إذا اتّصل بها الحكم صحّ ولزم . فصرخت عليه المفتون شافعيهم وحنفيهم ، أمّا شافعيهم فإنّه قال : ليس هذا مذهبك ولا مذهب الجمهور ، ولا هو الرّاجح في الدّليل والنّظر . وقال له ابن عقيل : هذا ممّا ينقض به الحكم لو حكم به حاكم ، وادّعى قيام الإجماع على ذلك . وقال له سراج الدّين البلقيني : ليس هذا مذهب أبي حنيفة ، ومذهبه في العقود والفسوخ ما ذكرت من أنّ حكم الحاكم يكون هو المعتمد في التّحليل والتّحريم . وأمّا الأوقاف ونحوها فحكم الحاكم فيها لا أثر له كمذهب الشّافعيّ .