المقريزي
87
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وأمّا مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم ، إلى أن استبدّ السّلطان صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب بسلطنة ديار مصر ، وأزال الدّولة الفاطمية في سنة سبع وستين وخمس مائة - وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعيّ - رضي اللّه عنه ، وعقيدة الشّيخ أبي الحسن الأشعري - رحمه اللّه « 1 » - فأبطل من الأذان قول « حيّ على خير العمل » ، وصار يؤذّن في سائر إقليم مصر والشّام بأذان أهل مكّة ، وفيه تربيع التّكبير وترجيع الشّهادتين . / فاستمرّ الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر ، وانتشر مذهب أبي حنيفة - رضي اللّه عنه - في ديار « ( a » مصر ، فصار يؤذّن في بعض المدارس التي للحنفيّة بأذان أهل الكوفة ، وتقام الصّلاة أيضا على رأيهم ، وما عدا ذلك فعلى ما قلنا . إلّا أنّه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذّنون من التأذين ، سلّموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدّين عبد اللّه بن عبد اللّه البرلّسي بعد سنة ستين وسبع مائة « 2 » . فاستمرّ إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبع مائة - ومتولّى الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصّالح المنصور أمير حاج ، المعروف بحاجي بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون - فسمع بعض الفقراء الخلّاطين سلام المؤذّنين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ليلة جمعة ، وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه ، فقال لهم : أتحبّون أن يكون هذا السّلام في كلّ أذان ؟ قالوا : نعم . فبات تلك الليلة ، وأصبح متواجدا يزعم أنّه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في منامه ، وأنّه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلّغه عنه أن يأمر المؤذّنين بالسّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في كلّ أذان . فمضى إلى محتسب القاهرة ، وهو يومئذ نجم الدّين محمد الطّنبدي - وكان شيخا جهولا ، وبلهانا بهؤلاء « ( b » ، سيّئ السّيرة في الحسبة والقضاء ، متهافتا على الدّرهم ولولا « ( c » قاده إلى البلاء ، لا تحشّم « ( d » من أخذ البراطيل والرّشوة ، ولا يرعى « ( e » في مؤمن إلّا ولا ذمّة ، وقد ضري على الآثام ، وتجسّد من أكل الحرام يرى أنّ العلم إرخاء العذبة ولبس الجبّة ، ويحسب أنّ رضا اللّه سبحانه في ضرب العباد بالدّرّة وولاية الحسبة . لم تحمد النّاس قطّ أياديه ، ولا شكرت أبدا مساعيه ، بل جهالاته شائعة ، وقبائح أفعاله ذائعة . أشخص غير مرّة إلى مجلس المظالم ، وأوقف مع من أوقف للمحاكمة بين
--> ( a ديار ، ساقطة من بولاق . ( b بولاق : مهولا . ( c بولاق : ولو . ( d بولاق : لا يحتشم . ( e بولاق : لا يراعي . ( 1 ) فيما يلي 440 . ( 2 ) فيما تقدم 85 .