المقريزي
76
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فهيّأ اللّه - جلّ جلاله - لعمارة هذا الجامع أن كان بين الملك الأشرف خليل بن قلاوون وبين الأمير بيدرا « ( a » أمور موحشة تزايدت وتأكّدت . إلى أن جمع بيدرا « ( a » من يثق به ، وقتل الأشرف بناحية ترّوجة في سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة - كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى عند ذكر مدرسته - وكان ممّن وافق الأمير بيدرا على قتل الأشرف الأمير حسام الدّين لاجين المنصوري والأمير قراسنقر . فلمّا قتل بيدرا « ( a » في محاربة مماليك الأشرف له ، فرّ لاجين وقراسنقر من المعركة ، فاختفى لاجين بالجامع الطّولوني وقراسنقر في داره بالقاهرة . وصار لاجين يتردّد بمفرده من غير أحد معه في الجامع - وهو حينئذ خراب لا ساكن فيه - وأعطى اللّه عهدا إن سلّمه اللّه من هذه المحنة ومكّنه من الأرض ، أن يجدّد عمارة هذا الجامع ويجعل له ما يقوم به . ثم إنّه خرج منه في خفية إلى القرافة ، فأقام بها مدّة وراسل قراسنقر ، فتحيّل في لحاقه به ؛ وعملا أعمالا إلى أن اجتمعا بالأمير زين الدّين كتبغا المنصوري - وهو إذ ذاك نائب السّلطنة في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون ، والقائم بأمور الدّولة كلّها - فأحضرهما إلى مجلس السّلطان بقلعة الجبل ، بعد أن أتقن أمرهما مع الأمراء ومماليك السّلطان ، فخلع عليهما ، وصار كلّ منهما إلى داره وهو آمن . فلم تطل أيّام الملك النّاصر في هذه الولاية حتى خلعه الأمير كتبغا ، وجلس على تخت الملك ، وتلقّب بالملك العادل ، فجعل لاجين نائب السّلطنة بديار مصر . وجرت أمور اقتضت قيام لاجين على كتبغا وهم بطريق الشّام ، ففرّ كتبغا إلى دمشق ، واستولى لاجين على دست المملكة ، وصار إلى مصر وجلس على سرير الملك بقلعة الجبل ، وتلقّب بالملك المنصور في المحرّم من سنة ستّ وتسعين وستّ مائة . فأقام قراسنقر في نيابة السّلطنة بديار مصر ، وأخرج النّاصر محمد بن قلاوون من قلعة الجبل إلى كرك الشّوبك فجعله في قلعتها . وأعانه أهل الشّام على كتبغا حتى قبض عليه ، وجعله نائب حماة ، فأقام بها مدّة سنين بعد سلطنة مصر والشّام . وخلع على الأمير علم الدّين سنجر الدّواداري ، وأقامه في نيابة دار العدل ، وجعل إليه شراء الأوقاف على الجامع الطّولوني ، وصرف إليه كلّ ما يحتاج إليه في العمارة ، وأكّد عليه في ألّا يسخّر فيه فاعلا ولا صانعا ، وألّا يقيم مستحثّا للصّنّاع ، ولا يشتري لعمارته شيئا ممّا يحتاج إليه
--> ( a بولاق : بيدر .