المقريزي

54

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

آخر جهة الكعبة من مصر ، وخارجة عن حدّ الجهة . وهي مع ذلك في مقابلة ما بين البجة والنّوبة ، لا في مقابلة الكعبة ، فإنها منصوبة على موازاة خطّ نصف النهار . و « محاريب الصّحابة » على موازاة مشرق الشّتاء تجاه مطالع العقرب ، مع ميل يسير عنها إلى ناحية الجنوب . فإذا جعلنا مشرق الشّتاء المذكور مقابلة عين الكعبة لأهل مصر ، وفرضنا جهة ذلك الجزء ربع دائرة الأفق ، صار سمت المحاريب التي هي موازية لخطّ نصف النّهار خارجا عن جهة الكعبة ، والذي يستقبلها في الصّلاة يصلّي إلى غير شطر المسجد الحرام . وهو خطر عظيم ، فاحذره . واعلم أنّ صعيد مصر واقع في جنوب مدينة مصر ، وقوص واقعة في شرقيّ الصّعيد وفيما بين مهبّ ريح الجنوب والصّبا من ديار مصر . فالمتوجّه من مدينة قوص إلى عيذاب يستقبل مشرق الشّتاء سواء ، إلى أن يصل إلى عيذاب ، ولا يزال كذلك إذا سار من عيذاب حتى ينتهي في البحر إلى جدّة ، فإذا سار من جدّة في البرّ استقبل المشرق كذلك حتى يحلّ بمكّة ، فإذا عاد من مكّة استقبل المغرب . فاعرف من هذا أنّ مكّة واقعة في النّصف الشّرقيّ من الرّبع الجنوبي بالنسبة إلى أرض مصر . وهذا هو سمت محاريب الصّحابة التي بديار مصر والإسكندرية ، وهو الذي يجب أن يكون سمت جميع محاريب إقليم مصر . برهان آخر : وهو أنّ من سار من مكّة يريد مصر على الجادّة ، فإنّه يستقبل ما بين القطب الشّمالي - الذي هو الجدي - وبين مغرب الصّيف مدّة يومين وبعض اليوم الثالث ، وفي هذه المدّة يكون مهبّ النّكباء - التي بين الشّمال والمغرب - تلقاء وجهه . ثم يستقبل بعد ذلك في مدّة ثلاثة أيّام أوسط الشّمال ، بحيث يبقى الجدي تلقاء وجهه ، إلى أن يصل إلى بدر . فإذا سار من بدر إلى المدينة النّبويّة ، صار مشرق الصّيف تلقاء وجهه تارة ، ومشرق الاعتدال تارة ، إلى أن ينتهي إلى المدينة . فإذا رجع من المدينة إلى الصّفراء ، استقبل مغرب الشّتاء إلى أن يعدل إلى ينبع ، فيصير تارة يسير شمالا وتارة يسير مغربا ، ويكون ينبع من مكّة على حدّ النّكباء التي بين الشّمال ومغرب الصّيف . فإذا سار من ينبع استقبل ما بين الجدي ومغرب الثّريّا - وهو مغرب الصّيف - وهبّت النّكباء تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى مدين . فإذا سار من مدين ، استقبل تارة الشّمال وأخرى مغرب الصّيف حتى يدخل أيلة . ومن أيلة لا يزال يستقبل مغرب الاعتدال تارة ، ويميل عنه إلى جهة الجنوب مع استقبال مغرب الشّتاء أخرى ، إلى أن يصل إلى القاهرة ومصر . فلو