المقريزي

14

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فقال عابد بن هشام الأزدي - ثم السّلاماني - لمسلمة بن مخلد : [ الوافر ] لقد مدّت لمسلمة اللّيالي * على رغم العداة مع الأمان وساعده الزّمان بكلّ سعد * وبلّغه البعيد من الأماني أمسلم فارتقي لا زلت تعلو * على الأيّام مسلم والزّمان لقد أحكمت مسجدنا فأضحى * كأحسن ما يكون من المباني فباه به البلاد وساكنوها * كما تاهت بزينتها الغواني وكم لك من مناقب صالحات * وأجدل بالصّوامع للآذان كأن تجاوب الأصوات فيها * إذا ما اللّيل ألقى بالجران كصوت الرّعد خالطه دوىّ * وأرعب كلّ مختطف الجنان وقيل إنّ معاوية أمره ببناء الصّوامع للأذان « 1 » . قال : وجعل مسلمة للمسجد الجامع أربع صوامع في أركانه الأربع ، وهو أوّل من جعلها فيه ، ولم تكن قبل ذلك . قال : وهو أوّل من جعل فيه الحصر ، وإنّما كان قبل ذلك مفروشا بالحصباء ، وأمر ألّا يضرب بناقوس عند الأذان - يعني الفجر « 2 » - وكان السّلّم الذي يصعد منه المؤذّنون في الطّريق حتى كان خالد بن سعيد فحوّله داخل المسجد . قال القاضي القضاعي : ثم إنّ عبد العزيز بن مروان هدمه في سنة تسع وسبعين من الهجرة - وهو يومئذ أمير مصر من قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان - وزاد فيه من ناحية الغرب ، وأدخل فيه الرّحبة التي كانت في بحريه ، ولم يجد في شرقيه موضعا يوسّعه به « 3 » . وذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب « الأمراء » أنّه زاد فيه من جوانبه كلّها « 4 » . ويقال : إنّ عبد العزيز بن مروان لما أكمل بناء المسجد ، خرج من دار الذّهب عند طلوع الفجر ، فدخل المسجد فرأى في أهله خفّة ، فأمر بأخذ الأبواب على من فيه ، ثم دعا بهم رجلا رجلا ، فيقول للرّجل : ألك زوجة ؟ فيقول : لا ، فيقول : زوّجوه ، ألك خادم ؟ فيقول : لا ، فيقول : اخدموه ؛ أحججت ؟ فيقول : لا ، فيقول : أحجّوه ، أعليك دين ؟

--> ( 1 ) راجع ، فريد شافعي : العمارة العربية في مصر الإسلامية 635 - 649 . ( 2 ) ابن دقماق : الانتصار 4 : 62 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 1 : 68 ؛ وانظر كذلك فيما يلي 2 : 273 . ( 3 ) نفسه 4 : 62 ؛ نفسه 1 : 68 . ( 4 ) وذلك في سنة سبع وسبعين ( الكندي : ولاة مصر 73 ) .