المقريزي
356
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ووجدت صناديق مملوءة أقلاما مبرية من براية ابن مقلة وابن البوّاب وغيرهما « 1 » . قال : وكنت بمصر في العشر الأول من محرّم سنة إحدى وستين وأربع مائة ، فرأيت فيها خمسة وعشرين جملا موقرة كتبا محمولة إلى / دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي ، فسألت عنها ، فعرفت أنّ الوزير أخذها من خزائن القصر هو والخطير ابن الموفّق في الدّين بإيجابات « a » وجبت لهما عمّا يستحقّانه وغلمانهما من ديوان الحلبيّين ، وأنّ حصّة الوزير أبي الفرج منها قوّمت عليه ، من جاري مماليكه وغلمانه ، بخمسة آلاف دينار . وذكر لي من له خبرة بالكتب أنّها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار . ونهب جميعها من داره يوم انهزم ناصر الدّولة ابن حمدان من مصر في صفر من السنة المذكورة ، مع غيرها ممّا نهب من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة وغيرهما . هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة ، وسوى ما صار إلى عماد الدّولة أبي الفضل ابن المحترق بالإسكندرية ، ثم انتقل بعد مقتله إلى المغرب ؛ وسوى ما ظفرت به لواتة محمولا مع من صار إليه بالابتياع والغصب في بحر النّيل إلى الإسكندرية ، في سنة إحدى وستين وأربع مائة وما بعدها ، من الكتب الجليلة المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحّة وحسن خطّ وتجليد وغرابة ، التي أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم ، وأحرق ورقها تأوّلا منهم أنّها خرجت من قصر السّلطان - أعزّ اللّه نصره - وأنّ فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم . سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الأقطار ، وبقي منها ما لم يحرق وسفت عليه الرّياح التّراب ، فصار تلالا باقية إلى اليوم في نواحي أبيار تعرف بتلال الكتب « 2 » . وقال ابن الطّوير : خزانة الكتب كانت في أحد مجالس البيمارستان « b » اليوم - يعني المارستان
--> ( a ) بولاق : بإيجاب . ( b ) بولاق : المارستان . ( 1 ) يقصد المقريزي الوزير أبا عليّ محمد بن علي بن الحسن ابن مقلّة وزير الخلفاء العباسيين المقتدر والقاهر والراضي ، المتوفى سنة 328 ه / 940 م ، وأبا الحسن علي بن هلال البغدادي الكاتب المعروف بابن البوّاب ، المتوفى سنة 423 ه / 1032 م رائدي الخط العربي واللذين بدءا تحويله من الشكل الكوفي إلى الشكل الذي هو عليه الآن ، وأصبحت طريقتهما وأسلوبهما في الكتابة هي السائدة حتى ظهرت مدرسة ياقوت المستعصمي في النصف الثاني للقرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي ( راجع ، أيمن فؤاد : الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات 55 - 62 ، 307 - 312 ) . ( 2 ) لم أقف على هذا الخبر فيما وصل إلينا من كتاب « الذخائر والتحف » المنسوب إلى الرشيد بن الزبير ، وقارن المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 294 - 295 .