المقريزي

348

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

دولته زاد النّيل ، ونما الارتفاع ، وزكت الزّروع ، ونتجت الأغنام ، ودرّت الضّروع ، وتضاعفت الأسماك ، وورد التّجّار ، وجرت قوانين المملكة على أجمل الأوضاع . فطمع ذلك المنجّم في كثرة ما عاينه من الذّهب ، وعمل ما قرّره النّصارى معه . فلمّا رأى الحافظ ذلك تعلّقت نفسه بمشاهدة تلك الصّفة ، فأمر بإحضار الكتّاب من النّصارى ، وصار يتصفّح وجوههم من غير أن يطلع أحدا على ما يريده ، وهم يؤخّرون الأخرم عن الحضور إليه - قصدا منهم ، وخشية أن يفطن بمكرهم - إلى أن اشتدّ إلزامهم بإحضار سائر من بقي منهم ، فأحضروه بعد أن وضعوا من قدره « a » وليشينوا أمره « a » . فلمّا رآه الحافظ ، رأى فيه الصّفات التي عيّنها منجّمه ، فاستدناه إليه وقرّبه ، وآل أمره إلى أن ولّاه أمر « b » الدّواوين . فأعاد كتّاب النّصارى أوفر ما كانوا عليه ، وشرعوا في التّجبّر ، وبالغوا في إظهار الفخر ، وتظاهروا بالملابس العظيمة ، وركبوا البغلات الرائعة والخيول المسوّمة بالسّروج المحلّاة واللّجم الثّقيلة ، وضايقوا المسلمين في أرزاقهم واستولوا على الأحباس الدّينية والأوقاف الشّرعية ، واتّخذوا العبيد والمماليك والجواري من المسلمين والمسلمات . وصودر بعض كتّاب المسلمين فألجأته الضّرورة إلى بيع أولاده وبناته ، فيقال إنّه اشتراهم بعض النّصارى ، وفي ذلك يقول ابن الخلّال : [ الوافر ] إذا حكم النّصارى في الفروج * وغالوا بالبغال وبالسّروج وذلّت دولة الإسلام طرّا * وصار الأمر في أيدي العلوج فقل للأعور الدّجّال هذا * زمانك إن عزمت على الخروج وموضع السّفينة « c » فيما بين درب السّلّامي وبين خزانة البنود ، يتوصّل إليه من تجاه البئر التي قدّام دار كانت تعرف بقاعة ابن كتيلة ؛ ثم استولى عليها جمال الدّين الأستادّار وجعلها مسكنا لأخيه ناصر الدّين الخطيب ، وغيّر بابها .

--> ( a - a ) ساقطة من بولاق . ( b ) بولاق : أمير . ( c ) بولاق : السقيفة .