المقريزي

315

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الدّعوة السّادسة - لا تكون إلّا بعد ثبوت جميع ما تقدّم في نفس المدعو ، وذلك أنّه إذا صار إلى الرّتبة الخامسة ، أخذ الداعي في تفسير معاني شرائع الإسلام - من الصّلاة والزّكاة والحجّ والطّهارة وغير ذلك من الفرائض - بأمور مخالفة للظّاهر ، بعد تمهيد قواعد تبين في أزمنة من غير عجلة . تؤدّي إلى أنّ هذه الأشياء وضعت على جهة الرّموز لمصلحة العامّة وسياسة أمورهم « a » ، حتى يشتغلوا بها عن بغي بعضهم على بعض ، وتصدّهم عن الفساد في الأرض حكمة من الناصبين للشّرائع ، وقوّة في حسن سياستهم لأتباعهم ، وإتقانا منهم لما رتّبوه من النواميس ونحو ذلك حتى يتمكّن هذا الاعتقاد في نفس المدعو . فإذا طال الزّمان ، وصار المدعو ولا بد « b » يعتقد أنّ أحكام الشّريعة كلّها وضعت على سبيل الرّمز لسياسة العامّة ، وأنّ لها معاني أخر غير ما يدلّ عليه الظّاهر ، نقله الداعي إلى الكلام في الفلسفة ، وحضّه على النّظر في كلام أفلاطون وأرسطو وفيثاغورس ومن في معناهم ، ونهاه عن قبول الأخبار والاحتجاج بالسّمعيات ، وزيّن له الاقتداء بالأدلّة العقلية والتّعويل عليها . فإذا استقرّ ذلك / عنده واعتقده ، نقله بعد ذلك إلى الدّعوة السّابعة ، ويحتاج ذلك إلى زمان طويل . الدّعوة السّابعة - لا يفصح بها الدّاعي ما لم يكثر أنسه بمن دعاه ، ويتيقّن أنّه قد تأهّل إلى الانتقال إلى رتبة أعلى ممّا هو فيه ، فإذا علم ذلك منه قال : اعلم « c » أنّ صاحب الدّلالة والنّاصب للشّريعة لا يستغني بنفسه ، ولا بد له من صاحب معه يعبّر عنه ، ليكون أحدهما الأصل والآخر عنه كان وصدر . وهذا إنّما هو إشارة العالم السّفلي لما يحويه العالم العلوي ، فإنّ مدبّر العالم في أصل الترتيب وقوام النّظام صدر عنه أوّل موجود بغير واسطة ولا سبب نشأ عنه ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ الآية 82 سورة يس ] إشارة إلى الأوّل في الرّتبة ، والآخر هو القدر الذي قال فيه : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ الآية 49 سورة القمر ] ، وهذا معنى ما نسمعه من أنّ اللّه أوّل ما خلق القلم فقال للقلم « اكتب » فكتب في اللّوح ما هو كائن . وأشياء من هذا النوع موجودة في كتبهم ، وأصلها مأخوذ من كلام الفلاسفة القائلين : الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد ، وقد أخذ هذا المعنى المتصوّفة وبسطوه بعبارات أخر في كتبهم . فإن

--> ( a ) بولاق : سياستهم . ( b ) ولا بد : ساقطة من بولاق . ( c ) ساقطة من بولاق .