المقريزي

309

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

غير أنّ الناس لمّا عدلوا عن الأئمة ، ونظروا في الأمور بعقولهم ، واتّبعوا ما حسن في رأيهم ، وقلّدوا سفلتهم « a » ، وأطاعوا سادتهم وكبراءهم أتباع الملوك « b » ، وطلبا للدنيا التي هي أيدي متّبعي الإثم وأجناد الظّلمة وأعوان الفسقة ، الذين يحبّون العاجلة ، ويجتهدون في طلب الرّياسة على الضّعفاء / ، ومكايدة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في أمّته ، وتغيير كتاب اللّه عزّ وجلّ ، وتبديل سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، ومخالفة دعوته ، وإفساد شريعته ، وسلوك غير طريقته ، ومعاندة الخلفاء الأئمة من بعده تحيّر من قبل ذلك ، وصار النّاس إلى أنواع الضّلالات . فإنّ دين محمد صلى اللّه عليه وسلّم ما جاء بالتحلّي ، ولا بأماني الرجال ، ولا شهوات النّاس ، ولا بما خفّ على الألسنة وعرفته دهماء العامّة . ولكنه صعب مستصعب ، وأمر مستقبل ، وعلم خفيّ غامض ستره اللّه في حجبه ، وعظم شأنه عن ابتذال أسراره . فهو سرّ اللّه المكتوم ، وأمره المستور الذي لا يطيق حمله ، ولا ينهض بأعبائه وثقله إلّا ملك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للتقوى « c » ؛ فإذا ارتبط المدعو على الداعي وأنس له ، نقله إلى غير ذلك . فمن مسائلهم : ما معنى رمي الجمار والعدو بين الصّفا والمروة ، ولم كانت الحائض تقضي الصّوم ولا تقضي الصّلاة ، وما بال الجنب يغتسل من ماء دافق يسير ولا يغتسل من البول النّجس الكثير القدر ، وما بال اللّه خلق الدّنيا في ستة أيام ، أعجز عن خلقها في ساعة واحدة ؟ وما معنى الصّراط المضروب في القرآن مثلا ، والكاتبين الحافظين ، وما لنا لا نراهما ، أخاف ربّنا أن نكابره ونجاحده حتى أذكى « d » العيون ، وأقام علينا الشّهود ، وقيّد ذلك في القرطاس بالكتابة ؟ وما تبديل الأرض غير الأرض ، وما عذاب جهنّم ، وكيف يصحّ تبديل جلد مذنب بجلد لم يذنب حتى يعذّب ، وما معنى وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الآية 17 سورة الحاقة ] ، وما إبليس ، وما الشّياطين ، وما وصفوا به وأين مستقرّهم ، وما مقدار قدرهم ؟ وما يأجوج ومأجوج وهاروت وماروت ، وأين مستقرّهم ؟ وما سبعة أبواب النّار ؟ وما ثمانية أبواب الجنّة ؟ وما شجرة الزّقّوم النابتة في الجحيم ؟ وما دابّة الأرض ورؤوس الشّياطين والشّجرة الملعونة في القرآن ، والتّين والزّيتون ؟ وما الخنّس الكنّس ، وما معنى ( ألم ) * و ( المص ) [ الآية 1 سورة البقرة وسورة الأعراف ] ، وما معنى كهيعص [ الآية 1 سورة مريم ] ؛ و حم * عسق [ الآيتان 1 ، 2 سورة الشورى ] ؟ ولم جعلت

--> ( a ) المسودة : وسمعوه من سفلتهم . ( b ) بولاق : اتباعا للملوك . ( c ) مسودة المواعظ : للإيمان . ( d ) بولاق : أدلى .