المقريزي

292

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فإذا انتظم ذلك النّظام ، واستقرّ بهم المقام ، فأوّل ماثل للخدمة بالسّلام : قاضي القضاة ، والشّهود المعروفون بالاستخدام ، فيجيز صاحب الباب القاضي دون من معه ، فيسلّم متأدّبا ، ويقف قريبا . ومعنى الأدب في السّلام أنّه يرفع يده اليمنى ، ويشير بالمسبحة ويقول بصوت مسموع : « السّلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته » . فيتخصّص بهذا الكلام دون غيره من أهل السّلام . ثم يسلّم بالأشراف الأقارب زمامهم ، وهو من الأستاذين المحنّكين ، وبالأشراف الطّالبيين نقيبهم ، وهو من الشّهود المعدّلين ، وتارة يكون من الأشراف المميّزين . فيمضي عليهم كذلك ساعتان زمانيتان أو ثلاث . ويخصّ بالسّلام في ذلك الوقت من خلع عليه لقوص أو الشّرقيّة أو الغربيّة أو الإسكندرية ، فيشرّفون بتقبيل العتبة « a » . فإن دعت حاجة الوزير إلى مخاطبة الخليفة في أمر ، قام من مكانه وقرب منه منحنيا على سيفه ، فيخاطبه مرّة أو مرّتين . ثم يؤمر الحاضرون فيخرجون ، حتى يكون آخر من يخرج الوزير بعد تقبيل يد الخليفة ورجله ، ويخرج فيركب على عادته إلى داره وهو مخدوم بأولئك . ثم يرخى السّتران « b » ويغلق باب المجلس إلى يوم مثله ، فيكون الحال كما ذكر ، ويدخل الخليفة إلى مكانه المستقرّ فيه ومعه خواصّ أستاذيه . وكان أقرب النّاس إلى الخلفاء « الأستاذون المحنّكون » ، وهم أصحاب الأنس لهم ، ولهم من الخدم ما لا يتطرّق إليه سواهم ، ومنهم : زمام القصر ، وشادّ التّاج الشّريف ، وصاحب بيت المال ، وصاحب الدّفتر ، وصاحب الرّسالة ، وزمام الأشراف الأقارب ، وصاحب المجلس ، وهم المطّلعون على أسرار الخليفة . وكانت لهم طريقة محمودة في بعضهم بعضا ، منها أنّه متى ترشّح أستاذ للحنك « c » وحنّك ، حمل إليه كلّ / واحد من المحنّكين بدلة من ثياب ، ومنديلا وسيفا وفرسا « d » ، فيصبح لاحقا بهم وفي يديه مثل ما في أيديهم . وكان لا يركب أحد في القصر إلّا الخليفة ، ولا يتصرّف ليلا ونهارا إلّا كذلك ، وله في الليل شدّادات من النّساء يخدمن البغلات والحمير الإناث ، للجواز في السّراديب

--> ( a ) بولاق : القبة . ( b ) بولاق : الستر . ( c ) بولاق : للتحنيك . ( d ) بولاق : فرشا .