المقريزي

276

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

أمير الجيوش أبو النّجم بدر الجمالي : كان مملوكا أرمنيّا لجمال الدّولة بن عمّار ، فلذلك عرف بالجمالي ، وما زال يأخذ بالجدّ من زمن شبيبته « a » فيما يباشره ، ويوطّن نفسه على قوّة العزم ، ويتنقّل في الخدم حتى ولي إمارة دمشق من قبل المستنصر في يوم الأربعاء ثالث عشرين ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وأربع مائة « 1 » . ثم سار منها كالهارب في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من رجب سنة ستّ وخمسين ، ثم وليها ثانيا يوم الأحد سادس شعبان سنة ثمان وخمسين ، فبلغه قتل ولده في « b » شعبان بعسقلان ، فخرج في شهر رمضان سنة ستين وأربع مائة ، فثار العسكر وأحرقوا « c » قصره ، وتقلّد نيابة عكّا . فلمّا كانت الشّدّة بمصر من شدّة الغلاء وكثرة الفتن ، والأحوال بالحضرة قد فسدت ، والأمور قد تغيّرت ، وطوائف العسكر قد شغبت ، والوزراء يقنعون بالاسم دون نفاذ الأمر والنّهي ، والرّجاء قد أيس منه ، والصّلاح لا مطمع فيه ، ولواتة قد ملكت الرّيف ، والصّعيد بأيدي العبيد ، والطّرقات قد / انقطعت برّا وبحرا إلّا بالخفارة الثّقيلة . فلمّا قتل بلدكوش ناصر الدّولة حسين بن حمدان ، كتب المستنصر إليه يستدعيه ليكون المتولّي لتدبير دولته ، فاشترط أن يحضر معه من يختاره من العساكر ، وأن « b » لا يبقي أحدا من عسكر مصر ، فأجابه المستنصر إلى ذلك . فاستخدم معه عسكرا ، وركب البحر من عكّا في أوّل كانون ، وسار بمائة مركب ، بعد أن قيل له إنّ العادة لم تجر بركوب البحر في الشتاء لهيجانه وخوّف التّلف ، فأبى عليهم وأقلع ، فتمادى الصّحو والسّكون مع الرّيح الطيبة مدّة أربعين يوما ، حتى كثر التعجّب من ذلك ، وعدّ من سعادته . فوصل إلى تنّيس ودمياط ، واقترض المال من تجّارها ومباشريها « d » ، وقام بأمر ضيافته وما يحتاج إليه من الغلال سليمان اللّواتي كبير أهل البحيرة . وسار إلى قليوب فنزل بها وأرسل إلى المستنصر

--> ( a ) بولاق : سبيه . ( b ) ساقطة من بولاق . ( c ) بولاق : أخربوا . ( d ) بولاق : مياسيرها . ( 1 ) ابن القلانسي : ذيل 91 - 92 ؛ ابن الأثير : الكامل 10 : 30 ؛ ابن ميسر : أخبار 28 ، النويري : نهاية 28 : 232 ؛ المقريزي : اتعاظ 2 : 268 ؛ ابن حجر : رفع الإصر 91 .