المقريزي
234
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وأعاد البرّ سلطانه بحرا بالازدياد « 1 » . فإذا ارتوى أوام أكباد البلاد ، وروى السّهل والوعر والهضاب والوهاد ، وذهب إملاق الأرض بكلّ ملقة وخليج ، وانجاب عنها فاهتزّت وربت ، وأنبتت من كلّ زوج بهيج ، بدت روضة نضرة بأملاق مقطّعة ، كزمرّدة خضراء بلآلئ مرصّعة : فكم من غدير مستدير كبدر منير ، ودقيق مستطيل كسيف صقيل ، وكم من قليب قلّاب بماء كجلّاب ، وكم من عظيم بركة فيركبها « a » النّسيم بلطفه ، وطينها « b » عبير عنبرها فضمّخها بكفّه ، وزهت بزهو نيلوفرها فغرقت بعرقه « c » ، وكم ترى من ملقة لبقة ، عليها عيون نرجس محدقة ، كصحن خدّ عروس منمّقة . والنّوّار قد دارت بمدام النّدى كؤوسه ، وجالت في مراج الأفراح نفوسه ، ونجم نجمه وابتسم عبوسه « d » ، وسامره الرّذاذ المنهلّ ، وباكره الطّلّ فكلّله بلؤلؤه وقلّده ، وزاره النّسيم المعتلّ فأقامه وأقعده ، ونمّق أرضه وروضه فذهّبه وفضّضه . قد باهت « e » برياضها الغنّاء ، وزهت بزخرفها وزينتها الحسناء ، وامتدّ بساطها الزّمرّدي ، وانبسط مداها « f » الزّبرجدي ، فلا يدرك أقصاه ناظر مسافر ، ولا يحيط بمنتهاه خيال ولا خاطر « 2 » . فللّه درّها من روضة مزن ، وكعبة حسن ، ومقطّعات بماء غير آسن ، وحرم بحر لحجاج طيره آمن . أتاها حجيج الطّير من كلّ فجّ عميق ، ملبّيا داعي حسنها من كلّ مكان سحيق ، قد امتطى ركبها متون الرّياح ، وعلا جثمانها على « g » عالم الأرواح ، ووصلن الإدلاج بالصّباح ، وقطعن جناح « h » اللّيل بخفّاق الجناح كأنّهن الدّراري السّواري ، أو المنشآت الجواري ، أو المطايا المهاري . [ الطويل ] تواصل من جوّ حوائض مثله « i » * صعود على حكم الطّريق نزول
--> ( a ) بولاق : حركها . ( b ) بولاق : وطيبها . ( c ) بولاق : معرفها بعرفه . ( d ) بولاق : عروسه . ( e ) بولاق : تاهت . ( f ) بولاق : مدادها . ( g ) ساقطة من بولاق . ( h ) بولاق : أجناح . ( i ) بولاق : حوائض نيله . ( 1 ) أمام هذه الفقرة في نسخة آياصوفيا : ذكر النيل . ( 2 ) أمام هذه الفقرة في نسخة آياصوفيا : صفة ربيع مصر .