المقريزي

232

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

إلّا القليل ، ومع هذا فشرابه عندهم في نهاية الغلاء . وعامّتها يشربون المزر الأبيض المتّخذ من القمح ، حتى إنّ القمح يطلع عندهم سعره بسببه فينادي المنادي من قبل الوالي بقطعة وكسر أوانيه « 1 » . ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ، ولا آلات الطّرب ذوات الأوتار ، ولا تبرّج النّساء العواهر ، ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها من بلاد المغرب . وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر ، ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة ، فرأيت فيه من ذلك العجائب ، وربما وقع فيه قتل بسبب السّكر فيمنع فيه الشّرب ، وذلك في بعض الأحيان . وهو ضيّق عليه في الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطّرب والتهكّم والمخالعة ، حتى إنّ المحتشمين والرّؤساء لا يجيزون العبور به في مركب . وللسّرج في جانبيه باللّيل منظر فتّان ، وكثيرا ما يتفرّج فيه أهل السّتر باللّيل . وفي ذلك أقول : [ مخلع البسيط ] لا تركبن في خليج مصر * إلّا إذا أسدل الظّلام فقد علمت الذي عليه * من عالم كلّهم طغام صفّان للحرب قد أطلّا * سلاح ما بينهم كلام يا سيّدي لا تسر إليه * إلّا إذا هوّم النّيام واللّيل ستر على التّصابي * عليه من فضله لثام والسّرج قد بدّدت عليه * منها دنانير لا ترام وهو قد امتد ، والمباني * عليه في خدمة قيام للّه كم دوحة جنينا * هناك أثمارها الأثام انتهى « 2 » . وفيه تحامل كثير . وقال زكيّ الدّين الحسين من رسالة كتبها من مصر في شهر رجب سنة اثنتين وسبع مائة إلى أخيه وهو بدمشق يتشوّق إليها ، ويذكر ما فيها من المواضع والمتنزّهات ، ويذمّ من مصر بقوله : « فكيف يبقى لمن حلّ في جنّة النّعيم ورياضها ، ويرتع في ميادين

--> ( 1 ) ابن سعيد : النجوم الزاهرة 30 - 31 ؛ المقريزي : مسودة المواعظ 28 - 29 . ( 2 ) نفسه 22 - 32 ؛ نفسه 29 .