المقريزي
207
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ذكر ما كان عليه موضع القاهرة قبل وضعها اعلم أنّ مدينة الإقليم منذ كان فتح مصر على يد عمرو بن العاص - رضي اللّه عنه - كان مدينة الفسطاط - المعروفة في زماننا بمدينة مصر - قبليّ القاهرة . وبها كان محلّ الأمراء ومنزل ملكهم ، وإليها تجبى ثمرات الأقاليم ، وتأوي الكافة . وكانت قد بلغت من وفور العمارة ، وكثرة النّاس ، وسعة الأرزاق ، والتّفنّن في أنواع الحضارة ، والتأنّق في النّعيم ، ما أربت به على كلّ مدينة في المعمور حاشا بغداد ، فإنّها كانت سوق العالم ، وقد زاحمتها مصر وكادت أن تساميها إلّا قليلا « 1 » . ثم لمّا انقضت الدّولة الإخشيدية من مصر ، واختلّ حال الإقليم بتوالي الغلوات وتواتر الأوباء والفنوات ، حدثت مدينة القاهرة عند قدوم جيوش المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ أمير المؤمنين ، على يد عبده وكاتبه القائد جوهر ، فنزل حيث القاهرة الآن ، وأناخ هناك . وكانت حينئذ رملة - فيما بين مصر وعين شمس - يمرّ بها النّاس عند مسيرهم من الفسطاط إلى عين شمس ، وكانت فيما بين الخليج المعروف في أوّل الإسلام بخليج أمير المؤمنين ، ثم قيل له خليج القاهرة ، ثم هو الآن يعرف بالخليج الكبير وبالخليج الحاكمي . وبين الخليج والجبل « a » المعروف باليحاميم ، وهو الجبل الأحمر « 2 » . وكان الخليج المذكور فاصلا بين الرّملة المذكورة وبين القرية التي يقال لها أم دنين ثم عرفت الآن بالمقس . وكان من يسافر من الفسطاط إلى بلاد الشّام ينزل بطرف هذه الرّملة ، في الموضع الذي كان يعرف بمنية الأصبغ ، ثم عرف إلى يومنا بالخندق . وتمرّ العساكر والتّجّار وغيرهم من منية الأصبغ « 3 » إلى منى « b » جعفر على غيفا وسلمنت إلى بلبيس ، وبينها وبين مدينة الفسطاط أربعة وعشرون ميلا ، ومن بلبيس إلى العلاقمة إلى الفرما .
--> ( a ) ساقطة من بولاق . ( b ) بولاق : بني . ( 1 ) راجع رأي المقدسي فيما تقدم 4 ه 1 . ( 2 ) فيما يلي 2 : 139 - 144 . ( 3 ) حاشية بخط المؤلّف : « الأصبغ بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم توفي ليلة الجمعة لأربع بقين من ربيع الآخر سنة ستّ وثمانين قبل أبيه » .