المقريزي
175
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ورووه حسب ما يلقّنوه « a » من غير تدبّر . والحقّ من وراء هذا ، وكفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العبّاس حجّة ، فإنّه كتب في شأن عبيد اللّه إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة بالقبض على عبيد اللّه . فتفطّن - أعزّك اللّه - لصحّة هذا الشّاهد ، فإنّ المعتضد لولا صحّة نسب عبيد اللّه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه . إذ القوم حينئذ لا يدعون لدعيّ ألبتّة ، ولا يذعنون له بوجه ، وإنّما ينقادون لمن كان علويّا . فخاف ممّا وقع ، ولو كان عنده من الأدعياء لما مرّ له بفكر ، ولا خافه على ضيعة من ضياع الأرض . وإنّما كان القوم - أعني بني عليّ بن أبي طالب - تحت ترقّب الخوف من بني العبّاس لتطلّبهم لهم في كلّ وقت ، وقصدهم إياهم دائما بأنواع من العقاب ، فصاروا ما بين طريد شريد وبين خائف يترقّب . ومع ذلك فإنّ لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطار الأرض ، فيهم من المحبّة لهم والإقبال عليهم ، ما لا مزيد عليه . وتكرّر قيام الرّجال منهم مرّة بعد مرّة ، والطّلب عليهم من ورائهم ، فلاذوا بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون ، حتى سمّي « b » محمد بن إسماعيل الإمام ، جدّ عبيد اللّه المهدي ، بالمكتوم ؛ سمّاه بذلك الشّيعة عند اتّفاقهم على إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم . وكانت الشّيعة قد صاروا « c » فرقا : فمنهم من كان يذهب إلى أنّ الإمام من ولد جعفر الصّادق هو إسماعيل ابنه ، وهؤلاء يعرفون من بين فرق الشّيعة ب « الإسماعيليّة » من أجل أنّهم يرون أنّ الإمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل ، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر الصّادق هو ابنه محمد المكتوم ، وبعد محمد المكتوم ابنه جعفر المصدّق « d » ومن بعد جعفر المصدق « d » ابنه محمد الحبيب . وكانوا أهل غلوّ في دعاويهم في هؤلاء الأئمّة ، وكان محمد بن جعفر هذا يؤمّل ظهوره ، وأنّه يصير له دولة . وكان باليمن من أهل هذا المذهب كثير بعدن وبإفريقيّة وفي كتامة ونفرة ، تلقّوا ذلك من عهد جعفر الصّادق . فقدم على محمد بن جعفر - والد عبيد اللّه - رجل من شيعته باليمن ، فبعث معه الحسين بن حوشب في سنة ثمان وستين ومائتين ، فأظهرا أمرهما باليمن ، وأشهرا الدّعوة في سنة سبعين ، وصار لابن حوشب دولة بصنعاء « 1 » ، وبثّ الدّعاة بأقطار
--> ( a ) بولاق : تلقوه . ( b ) بولاق : تسمى . ( c ) قد صاروا : ساقطة من بولاق . ( d ) بولاق : الصادق . ( 1 ) عن ابن حوشب والدعوة الإسماعيلية في اليمن راجع ، القاضي النعمان : افتتاح الدعوة 32 - 63 ، 149 - 150 ؛