المقريزي

164

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ذكر المنشأة اعلم أنّ خليج مصر كان يخرج من بحر النّيل فيمرّ بطريق الحمراء القصوى ، وكان في الجانب الغربي من هذا الخليج عدّة بساتين من جملتها بستان عرف ببستان الخشّاب ، ثم خرب هذا البستان ، وموضعه الآن يعرف بالمريس . فلمّا كان بعد الخمس مائة من سني الهجرة ، انحسر النّيل عن أرض فيما بين ميدان اللّوق - الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء اللّه « 1 » - وبين بستان الخشّاب المذكور ، فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل ؛ لأنّ القاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ البيساني أنشأ بها بستانا عظيما كان يمير أهل القاهرة من ثماره وأعنابه ، وعمّر بجانبه جامعا ، وبنى حوله ، فقيل لتلك الخطّة منشأة الفاضل . وكثرت بها العمارة ، وأنشأ بها موفّق الدين محمد بن أبي بكر المهدوي العثماني الدّيباجي « 2 » بستانا دفع له فيه ألف دينار في الأيام الظّاهرية بيبرس « a » ، وكان الصّرف قد بلغ / كلّ دينار ثمانية وعشرين درهما ونصفا . فاستولى البحر على بستان الفاضل وجامعه ، وعلى سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين والدّور ، وقطع ذلك حتى لم يبق لشيء منه أثر . وما برح باعة العنب بالقاهرة ومصر تنادي على العنب ، بعد خراب بستان الفاضل هذا بمدّة سنين عديدة « b » : « رحم اللّه الفاضل يا عنب » ، إشارة لكثرة أعناب بستان الفاضل وحسنها « 3 » . وكان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين وستّ مائة ، وكان الموفّق الدّيباجي المذكور يتولّى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة ، فلمّا تلف الجامع باستيلاء النّيل عليه ، سأل الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا ، وألحّ عليه - وكان من ألزامه - حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهراني .

--> ( a ) بولاق : أيام الظاهر بيبرس . ( b ) بولاق : مدة سنين . ( 1 ) فيما يلي 2 : 117 . ( 2 ) موفق الدين أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر بن يحيى ابن أبي بكر ، الأموي العثماني الديباجي المعروف بابن المهدوي خطيب جامع منشأة المهراني خارج مدينة مصر . مولده في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة 614 ه ، وتوفي فجأة : وقع عن دابّة بين القاهرة ومصر ففاضت نفسه عشية الأربعاء الثالث والعشرين من شوال سنة 685 ه . ( المقريزي : المقفى الكبير 5 : 441 ) . ( 3 ) فيما يلي 2 : 298 ومصدر هذا الخبر فيه ابن المتوّج .