المقريزي
154
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وأصبح يطغو « a » الموج فيه ويرتمي * ويطفو حنانا وهو يلعب بالنّرد غدا ماؤه كالرّيق ممّن أحبّه * فمدّت عليه حلية من حلى الخدّ وقد كان مثل الزّهر من قبل مدّه * فأصبح لمّا زاده المدّ كالورد قلت هذا لأنّي لم أذق في المياه أحلى من مائه ، وأنّه يكون قبل المدّ الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض ، فإذا كان عباب النّيل صار أحمر . وأنشدني علم الدّين فخر التّرك أيدمر « 1 » ، عتيق وزير الجزيرة ، في مدح الفسطاط وأهلها « 2 » : [ الرمل ] حبّذا الفسطاط من والدة * جنّبت أولادها درّ الجفا يرد النّيل إليها كدرا * فإذا مازج أهليها صفا لطفوا فالمزن لا يألفهم * خجلا لمّا رآهم ألطفا ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط حتى أنّهم ألطف من أهل القاهرة وبينهما نحو ميلين . وجملة الحال أنّ أهل الفسطاط في نهاية من اللّطافة واللّين في الكلام ، وتحت ذلك من الملق وقلّة المبالاة برعاية قدم الصّحبة وكثرة الممازجة والألفة ما يطول ذكره « 3 » . وأمّا ما يرد على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي فإنّه فوق ما يوصف ، وبها مجمع ذلك لا بالقاهرة ، ومنها تجهّز إلى القاهرة وسائر البلاد .
--> ( a ) بولاق : يطغى . القديمة التي تتميّز بخفتها وسرعة جريانها ، كان هذا النوع من المراكب وقفا على أنهر العراق فقط ، ولكن نصّ ابن سعيد هو النصّ الوحيد الذي يفيدنا بأن هذا النوع من المراكب كان مستخدما في نهر النيل في مصر . ( درويش النخيلي : السفن الإسلامية 92 - 93 ) . ( 1 ) علم الدين فخر التّرك أيدمر المحيّوي عتيق محيي الدين أبي المظفّر محمد بن محمد بن سعيد بن ندى الجزري ، وهذا الأخير هو الذي صنّف له ابن سعيد المغربي كتابيه « المغرب في حلى المغرب » و « المشرق في حلى المشرق » ( الصفدي : الوافي بالوفيات 1 : 172 - 175 ) . وكان أيدمر المحيوي من شعراء العصر الأيوبي المبرزين من معاصري بهاء الدين زهير وجمال الدين بن مطروح ، وتوفي سنة 674 ه / 1275 م . ( الصفدي : الوافي بالوفيات 10 : 7 - 15 ؛ أبو المحاسن : المنهل الصافي 3 : 172 - 176 ) ، ونشرت دار الكتب المصرية « مختار ديوان علم الدين أيدمر المحيوي » ، وصدر عام 1931 . ( 2 ) وردت الأبيات كذلك عند ابن دقماق : الانتصار 4 : 109 ، وهي غير موجودة في الدّيوان . ( 3 ) ابن سعيد : المغرب 5 - 9 ؛ المقري : نفح الطيب 2 : 339 - 342 .