المقريزي
152
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
أناديه مهلا فلا يرعوي * إلى أن سجدت سجود العثار وقد مدّ فوقي رواق الثّرى * وألحد فيه ضياء النّهار فدفعت إلى المكاري أجرته ، وقلت له : إحسانك إليّ أن تتركني أمشي على رجلي ، ومشيت إلى أن بلغتها ، وقدّرت في « a » الطريق بين القاهرة والفسطاط ، وحقّقته « b » بعد ذلك نحو الميلين . ولمّا أقبلت على الفسطاط أدبرت عنّي المسرّة ، وتأمّلت أسوارا مثلمة سوداء ، وآفاقا مغبرّة ، ودخلت من بابها وهو دون غلق ، مفض إلى خراب معمور بمبان مشتّتة « c » الوضع غير مستقيمة الشّوارع ، قد بنيت من الطّوب الأدكن والقصب والنّخيل طبقة فوق طبقة ، وحول أبوابها من التّراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النّظيف ويغضّ طرف الظّريف . فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال ، إلى أن سرت في أسواقها الضّيّقة ، فقاسيت من ازدحام النّاس فيها بحوائج السّوق ، والرّوايا التي على الجمال ، ما لا يفي به إلّا مشاهدته ومقاساته ، إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع ، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضدّه في جامع إشبيليّة وجامع مرّاكش . ثم دخلت إليه ، فعاينت جامعا كبيرا قديم البناء ، غير مزخرف ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه وتبسط فيه ، وأبصرت العامّة رجالا ونساء قد جعلوه معبرا بأوطئة أقدامهم ، يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرّب عليهم الطّريق ، والبيّاعون يبيعون فيه أصناف المكسّرات والكعك وما جرى مجرى ذلك ، والنّاس يأكلون منه في أمكنة عديدة غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك ، وعدّة صبيان بأواني ماء يطوفون على من يأكل قد جعلوا ما يحصل لهم منهم رزقا ، وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع وفي زواياه ، والعنكبوت قد عظم نسجه في السّقوف والأركان والحيطان ، والصّبيان يلعبون في صحنه ، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة ، إلّا أنّ مع هذا كلّه على الجامع المذكور من الرّونق وحسن القبول وانبساط النّفس ، ما لا تجده في جامع إشبيليّة مع زخرفته والبستان الذي في صحنه « 1 » .
--> ( a ) ساقطة من بولاق . ( b ) بولاق : حققت . ( c ) بولاق : سيئة . ( 1 ) هذا وصف لجامع عمرو أو الجامع العتيق في أواسط القرن السابع الهجري ، انظر كذلك وصف ناصر خسرو للجامع في