المقريزي

146

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

موضع « a » نرجع ؟ وفي أيّ مكان ننزل ونأوي ، وقد صارت كما ترى ؟ وبكوا وأبكوا ، فوعدهم جميلا ، وترفّق بهم ، وأمر فنودي في النّاس بالرّجوع إلى مصر « 1 » . فتراجع إليها النّاس قليلا قليلا ، وعمّروا ما حول الجامع « 2 » ، إلى أن كانت المحنة من الغلاء والوباء العظيم في سلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيّوب لسنتي خمس وستّ وتسعين « b » وخمس مائة ، فخرب من مصر جانب كبير « 3 » . ثم تحايا النّاس بها ، وأكثروا من العمارة بجانب مصر الغربي على شاطئ النّيل لمّا عمّر الملك الصّالح نجم الدين أيّوب قلعة الرّوضة ، وصار بمصر عدّة آدرّ جليلة وأسواق ضخمة . فلمّا كان غلاء مصر والوباء الكائن في سلطنة الملك العادل كتبغا سنة ستّ وتسعين وستّ مائة ، خرب كثير من مساكن مصر ، وتراجع النّاس بعد ذلك في العمارة إلى سنة تسع وأربعين وسبع مائة ، فحدث الفناء الكبير الذي أقفر منه معظم دور مصر وخربت . ثم تحايا النّاس من بعد الوباء ، وصار ما يحيط بالجامع العتيق وما على شطّ النّيل عامرا إلى سنة ستّ وسبعين وسبع مائة ، فشرقت بلاد مصر ، وحدث الوباء بعد الغلاء ، فخرب كثير من عامر مصر . ولم تزل تخرب « c » شيئا بعد شيء إلى سنة تسعين وسبع مائة ، فعظم الخراب في زقاق القناديل « d » وخطّ النّخّالين « e » ، وشرع النّاس في هدم دور مصر وبيع أنقاضها ، حتى صارت على ما هي عليه الآن ، وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً [ الآية 59 سورة الكهف ] .

--> ( a ) بولاق : مكان . ( b ) ساقطة من النسخ . ( c ) بولاق : ولم يزل يخرب . ( d ) بولاق : خط زقاق القناديل . ( e ) بولاق : النحاسين . ( 1 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 303 . ( 2 ) يقول ابن جبير الذي زار الفسطاط بعد سنة 579 ه / 1184 م : « وبمدينة مصر آثار من الخراب الذي أحدثه الإحراق الحادث بها وقت الفتنة عند انتساخ دولة العبيديين ، وذلك في سنة أربع وستين وخمس مائة ، وأكثرها الآن مستجدّ والبنيان بها متّصل » . ( الرحلة 29 ) . ( 3 ) انظر فيما يلي 2 : 235 .