المقريزي

129

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ومات ، فأسلمتني أميّ إلى ابن عقيل - وكان صديقا لأبي - فكنت أخدمه ، وأفتح حانوته وأكنسها ، ثم أفرش له ما يجلس عليه ، فكان يجري عليّ رزقا أتقوّت به ؛ فأنا « a » يوما في الحانوت وقد جلس أستاذي ابن عقيل ، فجاء ابن العسّال « 1 » مع رجل من أهل الرّيف يطلب عود خشب لطاحونه ، فاشترى من ابن عقيل عود طاحونة بخمسة دنانير . فسمعت قوما من أهل السّوق يقولون : هذا ابن العسّال المفسّر للرّؤيا عند ابن عقيل ، فجاء منهم قوم وقصّوا عليه منامات رأوها ، ففسّرها لهم ؛ فذكرت رؤيا رأيتها في ليلتي ، فقلت له : إنّي رأيت البارحة في نومي كذا وكذا ، فقصصت عليه الرّؤيا ؛ فقال لي : أيّ وقت رأيتها من اللّيل ؟ فقلت : انتبهت بعد رؤياي في وقت كذا ؛ فقال لي : هذه رؤيا لست أفسّرها إلّا بدنانير كثيرة . فألححت عليه ، فقال أستاذي ابن عقيل : فرّج عنه ، هذا غلام صغير فقير لا يملك شيئا ؛ فقال : لست آخذ إلّا عشرين دينارا ؛ فقال له ابن عقيل : إن قرّبت علينا وزنت أنا لك ذلك من عندي . فلم يزل به ينزله حتى قال : لست « b » واللّه آخذ أقلّ من ثمن العمود « c » الخشب : خمسة دنانير ؛ فقال له ابن عقيل : إن صحّت الرّؤيا دفعت إليك العمود « c » بلا ثمن ؛ فقال له : يأخذ مثل هذا اليوم ألف دينار ؛ قال أستاذي : فإذا لم يصح هذا ؟ فقال : يكون العمود « c » عندك إلى مثل هذا اليوم ، فإن « d » أخذ ما قلت له في ذلك اليوم وإلّا « e » فليس لي عندك شيء ، ولا أفسّر رؤيا أبدا ؛ فقال له أستاذي : قد أنصفت . ومضت الجمعة ، فلمّا كان مثل ذلك اليوم غدوت كما « f » كنت أغدو إلى دكّان أستاذي ، ففتحتها ورششتها ، واستلقيت على ظهري أفكّر فيما قال لي ، ومن أين يمكن أن يصير إليّ ألف دينار ، فقلت : لعلّ سقف المكان ينفرج فيسقط منه هذا المال ، وجعلت أجيل فكري ؛ فإنّي كذلك إلى ضحى ، إذ وقف عليّ جماعة من أعوان الخراج معهم فارس « g » ، فقالوا : هذه دكّان ابن عقيل ، ثم قالوا لي : قم ؛ فقلت لهم : لست / ابن عقيل ، أنا غلامه ؛ فقالوا لي « e » : بل أنت ابنه ، وجذبوني فأخرجوني من الدّكّان ؛ فقلت : إلى أين ؟ فقالوا : إلى ديوان الأستاذ أبي علي الحسين ابن أحمد ( يعنون أبا زنبور ) ؛ فقلت : وما يصنع بي ؟ فقالوا : إذا جئت

--> ( a ) بولاق : فأتى . ( b ) ساقطة من بولاق والعبارة فيه : واللّه لا آخذ . ( c ) بولاق : العود . ( d ) بولاق : فإن كان لم يصح . ( e ) ساقطة من بولاق . ( f ) بولاق : مثل ما . ( g ) بولاق : ناس . ( 1 ) حاشية بخط المؤلّف : « الحسن بن محمد بن أحمد بن العسّال كتب الحديث بعد سنة سبعين ومائتين ، كان في تفسير الرؤيا عجبا لم ير مثله » .