المقريزي
108
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فقام بأمر الملك هارون مدّة * على كظظ « a » من ضيق باع ومن حصر وما زال حتى زال والدّهر كاشح * عقاربه من كلّ ناحية تسري تذكّرتهم لمّا مضوا فتتابعوا * كما ارفضّ سلك من جمان ومن شذر فمن يبك شيئا ضاع من بعد أهله * لفقدهم فليبك حزنا على مصر ليبك بني طولون إذ بان عصرهم * فبورك من دهر وبورك من عصر ثم أمر الحسين بن أحمد الماذرائي ، متولّي خراج مصر ، بهدم الميدان « b » ، فابتدئ في هدمه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، وبيعت أنقاضه ودثر كأن لم يكن « 1 » . وقال محمد بن طشويه « 2 » : [ البسيط ] من لم ير الهدم للميدان لم يره * تبارك اللّه ما أعلاه وأقدره لو أنّ عين الذي أنشاه تبصره * والحادثات تعاديه لأكبره كانت عيون الورى تعشو لهيبته * إذا أضاف إليه الملك عسكره أين الملوك الّتي كانت تحلّ به * وأين من كان بالإتقان « c » دبّره وأين من كان يحميه ويحرسه * من كلّ ليث يهاب اللّيث منظره صاح الزّمان بمن فيه ففرّقهم * وحطّ ريب البلى فيه فدعثره وأخلق الدّهر منه حسن جدّته * مثل الكتاب محا العصران أسطره دكّت مناظره واجتثّ جوسقه * كأنّما الخسف فاجأه فدمّره أو هبّ إعصار نار في جوانبه * فعاد معروفه للعين منكره كم كان يأوي إليه في مقاصره * أحوى أغنّ غضيض الطّرف أحوره كم كان فيه لهم من مشرب غدق * فعبّ صرف الرّدى فيه فكدّره أين ابن طولون بانيه وساكنه * أماته الملك الأعلى فأقبره / ما أوضح الأمر لو صحّت لنا فكر * طوبى لمن خصّه رشد فذكّره
--> ( a ) الكندي : نكد . ( b ) بولاق : الديوان . ( c ) بولاق : بالإنقاذ . ( 1 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 141 - 142 وهو ينقل عن الخطط ، ووردت هذه الفقرة في غير موضعها الصحيح في بولاق . ( 2 ) الكندي : ولاة مصر 283 ؛ واختار أبو المحاسن ستة أبيات من القصيدة أوردها في النجوم الزاهرة 3 : 142 .