المقريزي

104

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وجهد ، فتفرّق عنه كثير من أصحابه ، وبقي في نفر يسير وهو متشاغل باللّهو . فأجمع عمّاه شيبان وعديّ ابنا أحمد بن طولون على قتله ، فدخلا عليه وهو ثمل ، فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين ، وسنّه يومئذ اثنتان وعشرون سنة ، فكانت ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر وأياما « 1 » . ثم ولي شيبان بن أحمد بن طولون أبو المقانب « a » لعشر بقين من صفر ، فرجع إلى الفسطاط . وبلغ طغج بن جفّ وغيره من القوّاد قتل هارون ، فأنكروه وخالفوا على شيبان ، وبعثوا إلى محمد بن سليمان فأمّنهم ، وحرّكوه على المسير إلى مصر ، فسار حتى نزل العبّاسة ، فلقيه طغج في ناس من القوّاد كثير ، فساروا به إلى الفسطاط ، وأقبل إليهم عامّة أصحاب شيبان . فخاف حينئذ شيبان ، وطلب الأمان ، فأمّنه محمد بن سليمان ، وخرج إليه لليلة خلت من ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين ، وكانت ولايته اثني عشر يوما « 2 » . ودخل محمّد بن سليمان يوم الخميس أوّل ربيع الأوّل ، فألقى النّار في القطائع ، ونهب أصحابه الفسطاط ، وكسروا السّجون وأخرجوا من فيها ، وهجموا الدّور ، واستباحوا الحريم ، وفتكوا في الرّعيّة « b » ، وافتضّوا الأبكار ، وساقوا النّساء ، وفعلوا كلّ قبيح ، من إخراج النّاس من دورهم وغير ذلك . وأخرج ولد أحمد بن طولون وهم عشرون إنسانا ، وأخرج قوّادهم فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر ، وخلت منهم الدّيار ، وعفت منهم الآثار ، وتعطّلت منهم المنازل ، وحلّ بهم الذّلّ بعد العزّ ، والتّطريد والتّشريد بعد اجتماع الشّمل ونضرة الملك ومساعدة الأيّام « 3 » . ثم سيق أصحاب شيبان إلى محمد بن سليمان وهو راكب ، فذبحوا بين « 4 » يديه كما تذبح الشّياه ، وقتل من السّودان - سكّان القطائع - خلقا كثيرا ؛ فقال أحمد بن محمّد الجيشيّ « 5 » :

--> ( a ) بولاق : أبو المواقيت . ( b ) آياصوفيا وبولاق : وهتكوا الرعية والمثبت من الظاهرية . ( 1 ) الكندي : ولاة مصر 268 - 269 ؛ وانظر كذلك ابن سعيد : المغرب ( قسم مصر ) 144 - 145 ؛ أبا المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 98 - 134 . ( 2 ) نفسه 270 ؛ وانظر كذلك ابن سعيد : المغرب ( قسم مصر ) 145 - 146 ؛ أبا المحاسن : النجوم الزاهرة 134 - 138 وفيه أن مدّة تغلّب شيبان على مصر تسعة أيام ، منها أربعة أيام كان فيها أمره ونهيه . ( 3 ) الكندي : ولاة مصر 271 ، وقارن مع أبي المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 138 - 139 . ( 4 ) آخر ما نشره جاستون قييت من الخطط وهو يعادل نهاية ملزمة . ( 5 ) الأبيات عند الكندي : ولاة مصر 271 - 272 .