المقريزي
88
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
أحبّ أن يحضر دار الأمير فليحضر . وتفتح الأبواب ، ويدخل النّاس الميدان وابن طولون في المجلس الذي تقدّم ذكره ينظر إلى المساكين ، ويتأمّل فرحهم بما يأكلون ويحملون ، فيسرّه ذلك ويحمد اللّه على نعمته « 1 » . ولقد قال له مرّة إبراهيم بن قراطغان ، وكان على صدقاته : أيّد اللّه الأمير ، إنّا نقف في المواضع التي تفرّق فيها الصّدقة ، فتخرج لنا الكفّ الناعمة المخضوبة نقشا ، والمعصم الرائع فيه الحديدة ، والكفّ فيها الخاتم . فقال : يا هذا ، كلّ من مدّ إليك يده فأعطه ، فهذه هي اللطيفة المستورة التي ذكرها اللّه سبحانه وتعالى في كتابه فقال : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [ الآية 273 سورة البقرة ] ، فاحذر أن تردّ يدا امتدّت إليك ، وأعط كل من يطلب منك . فلمّا مات أحمد بن طولون ، وقام من بعده ابنه خمارويه ، أقبل على [ عمارة ] « a » قصر أبيه وزاد فيه ، وأخذ الميدان الذي كان لأبيه فجعله كلّه بستانا ، وزرع فيه أنواع الرّياحين وأصناف الشّجر ، ونقل إليه الودي اللطيف الذي ينال ثمره القائم ، ومنه ما يتناوله الجالس من أصناف خيار النّخل ، وحمل إليه كلّ صنف من الشجر المطعّم العجيب وأنواع الورد ، وزرع فيه الزّعفران ؛ وكسا أجسام النّخل نحاسا مذهّبا حسن الصّنعة ، وجعل بين النّحاس وأجساد النّخل مزاريب الرّصاص ، وأجرى فيها الماء المدبّر ، فكان يخرج من تضاعيف قائم النّخل عيون الماء ؛ فتنحدر إلى فساقي معمولة ، ويفيض منها الماء إلى مجار تسقي سائر البستان . وغرس فيه من الرّيحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة ، يتعاهدها البستانيّ بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة ، وزرع فيه النّيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر والخيري « b » العجيب ، وأهدي إليه من خراسان وغيرها كلّ أصل عجيب ، وطعموا له شجر المشمش باللّوز ، وأشباه ذلك من كلّ ما يستظرف ويستحسن « 2 » . وبنى فيه برجا من خشب السّاج المنقوش بالنقر النافذ [ وطعّمه ] « a » ليقوم مقام الأقفاص ، وزوّقه بأصناف الأصباغ ، وبلّط أرضه ، وجعل في تضاعيفه أنهارا لطافا ، جداولها يجري فيها الماء مدبرا من السّواقي التي تدور على الآبار العذبة ، ويسقي منها الأشجار وغيرها .
--> ( a ) زيادة من النجوم الزاهرة . ( b ) بولاق : الجنوي . ( 1 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 17 . ( 2 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 53 - 54 .