المقريزي

84

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فلم يكن غير أيّام حتى بعث ابن طولون إلى ابن المدبّر يقول له : قد كنت - أعزّك اللّه - أهديت لنا هديّة وقع الغنى عنها ، ولم يجز أن يغتنم مالك - كثّره اللّه - فرددناها « a » توفيرا عليك ، ونحبّ أن تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك ، فأنا إليهم أحوج منك . فقال ابن المدبّر لمّا بلغته الرّسالة : هذه أخرى أعظم ممّا تقدّم قد ظهرت من هذا الرجل ، إذ كان يردّ الأعراض والأموال ، ويستهدي الرّجال ويثابر عليهم ، ولم يجد بدّا من أن بعثهم إليه . فتحوّلت هيبة ابن المدبّر إلى ابن طولون ، ونقصت مهابة ابن المدبّر بمفارقة الغلمان مجلسه . فكتب ابن المدبّر فيه إلى الحضرة يغري به ويحرّض على عزله ، فبلغ ذلك ابن طولون فكتم في نفسه ولم يبده . واتّفق موت المعتزّ في رجب سنة خمس وخمسين ، وقيام المهتدي باللّه محمد بن الواثق ، وقتل باكباك وردّ جميع ما كان بيده إلى يارجوخ « b » التركي ، حمو ابن طولون ، فكتب إليه : « تسلّم من نفسك لنفسك » ، وزاده الأعمال الخارجة عن قصبة مصر ، وكتب إلى إسحاق بن دينار وهو يتقلّد الإسكندرية / أن يسلّمها لأحمد بن طولون . فعظمت لذلك منزلته ، وكثر قلق ابن المدبّر وغمّه ، ودعته ضرورة الخوف من ابن طولون إلى ملاطفته والتقرّب من خاطره . وخرج ابن طولون إلى الإسكندرية ، وتسلّمها من إسحاق بن دينار ، وأقرّه عليها . وكان « c » عيسى بن شيخ الشّيباني يتقلّد جندي فلسطين والأردنّ ، فلمّا مات وثب ابنه على الأعمال واستبدّ بها ، فبعث ابن المدبّر سبع مائة ألف وخمسين ألف دينار حملا من مال مصر إلى بغداد ، فقبض ابن شيخ عليها ، وفرّقها في أصحابه ، وكانت الأمور قد اضطربت ببغداد ، فطمع ابن شيخ في التغلّب على الشّامات ، وشيّع « d » أنّه يريد مصر . فلمّا قتل المهدي في رجب سنة ستّ وخمسين ، وبويع المعتمد باللّه أحمد بن المتوكّل ، لم يدع ابن شيخ له ، ولا بايع هو ولا أصحابه فبعث إليه بتقليد أرمينية زيادة على ما معه من بلاد الشّام ، وفسح له في الاستخلاف عليها والإقامة على عمله ، فدعا حينئذ للمعتمد . وكتب إلى ابن طولون أن يتأهّب لحرب ابن شيخ ، وأن يزيد في عدّته ، وكتب لابن المدبّر أن يطلق له من المال ما يريد « e » . فعرض ابن طولون الرّجال ، وأثبت من يصلح ، واشترى العبيد من الرّوم والسّودان ، وعمل سائر ما يحتاج إليه ، وخرج في تجمّل كبير وجيش عظيم ، وبعث إلى ابن شيخ يدعوه إلى طاعة

--> ( a ) بولاق : فرددتها . ( b ) بولاق : مأجور . ( c ) تضيف النسخ هنا : أحمد بن قبل عيسى بن شيخ وهو خلط والنص موجود عند الكندي وابن سعيد . ( d ) بولاق : أشيع . ( e ) بولاق : يريده .