المقريزي

82

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الوزير عبيد اللّه بن يحيى أن يكتب له برزقه على الثّغر ، فأجابه ، وخرج إلى طرسوس فأقام بها ، وشقّ على أمّه مفارقته ، فكاتبته بما أقلقه . فلمّا قفل النّاس إلى سرّ من رأى ، سار معهم « a » إلى لقاء أمه ، وكان في القافلة نحو خمس مائة رجل ، والخليفة إذ ذاك المستعين باللّه أحمد بن المعتصم ، وكان قد أنفذ خادما إلى بلاد الرّوم لعمل أشياء نفيسة ، فلمّا عاد بها - وهي وقر بغل - إلى طرسوس ، خرج مع القافلة . وكان من رسم الغزاة أن يسيروا متفرّقين ، فطرق الأعراب بعض سوادهم ، وجاء الصّائح ، فبدر أحمد بن طولون لقتالهم وتبعوه ، فوضع السّيف في الأعراب ، ورمى بنفسه فيهم حتى استنقذ منهم جميع ما أخذوه وفرّوا منه . وكان من جملة ما استنقذ من الأعراب البغل المحمّل بمتاع الخليفة ، فعظم أحمد بما فعل عند الخادم ، وكبر في أعين القافلة . فلمّا وصلوا إلى العراق ، وشاهد المستعين ما أحضره الخادم أعجب به ، وعرّفه الخادم خروج الأعراب وأخذهم البغل بما عليه ، وما كان من صنع أحمد بن طولون ، فأمر له بألف دينار ، وسلّم عليه مع الخادم ، وأمره أن يعرّفه به إذا دخل مع المسلمين ، ففعل ذلك . وتوالت عليه صلات الخليفة حتى حسنت حاله ، ووهبه جارية اسمها ميّاس استولدها ابنه خمارويه في النصف من المحرّم سنة خمسين ومائتين . فلمّا خلع المستعين ، وبويع المعتزّ ، أخرج بالمستعين إلى واسط ، واختار الأتراك أحمد بن طولون أن يكون معه ، فسلّم إليه ومضى به ، فأحسن عشرته ، وأطلق له التّنزّه والصّيد ، وخشي أن يلحقه منه احتشام ، فألزمه كاتبه أحمد بن محمد الواسطي ، وهو إذ ذاك غلام حسن الشاهد حاضر النادرة ، فأنس به المستعين . ثم إنّ قبيحة « b » أمّ المعتزّ كتبت إلى أحمد بن طولون بقتل المستعين وقلّدته واسط ، فامتنع من ذلك ، وكتب إلى الأتراك يخبرهم بأنّه لا يقتل خليفة له في رقبته بيعة . فزاد محلّه عند الأتراك بذلك ، ووجّهوا سعيدا الحاجب ، وكتبوا إلى ابن طولون بتسليم المستعين له ، فتسلّمه منه وقتله ، وواراه ابن طولون ، وعاد إلى سرّ من رأى ، وقد تقلّد باكباك مصر وطلب من يوجّهه إليها ، فذكر له أحمد بن طولون ، فقلّده خلافته ، وضمّ إليه جيشا . وسار إلى مصر ، فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين ، متقلّدا للقصبة دون غيرها من الأعمال الخارجة عنها كالإسكندرية ونحوها . ودخل معه أحمد

--> ( a ) آياصوفيا : وكاتبته بما فعل الناس إلى سر من رأى سار معهم . ( b ) بولاق : فتيحة .