المقريزي
15
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فيقتله ، فمرّ عمرو وهو يريد الخروج برجل من العرب فقال له : قد دخلت ، فانظر كيف تخرج . فرجع عمرو إلى صاحب الحصن فقال له : إنّي أريد أن آتيك بنفر من أصحابي حتى يسمعوا منك مثل الذي سمعت . فقال العلج في نفسه : قتل جماعة أحبّ إليّ من قتل واحد . وأرسل إلى الذي كان أمره بما أمره به من قتل عمرو : ألّا يتعرّض له ، رجاء أن يأتيه بأصحابه فيقتلهم « 1 » . فخرج عمرو ، وعبادة بن الصّامت في ناحية يصلّي وفرسه عنده ، فرآه قوم من الرّوم ، فخرجوا إليه وعليهم حلية وبزّة ، فلمّا دنوا منه سلّم من صلاته ، ووثب على فرسه ، ثم حمل عليهم . فلمّا رأوه ولّوا راجعين ، فاتّبعهم فجعلوا يلقون مناطقهم ومتاعهم ليشغلوه بذلك عن طلبهم ، وهو لا يلتفت إليه ، حتى دخلوا الحصن ، ورمي عبادة من فوق الحصن بالحجارة ، فرجع ولم يتعرّض لشيء ممّا طرحوا من متاعهم ، حتى رجع إلى موضعه الذي كان به فاستقبل الصّلاة ، وخرج الرّوم إلى متاعهم يجمعونه « 2 » . فلمّا أبطأ الفتح على عمرو ، قال الزّبير : إنّي أهب نفسي للّه « a » أرجو أن يفتح اللّه بذلك على المسلمين ؛ فوضع سلّما « 3 » إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمّام ، ثم صعد فأمرهم إذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا ، فما شعروا إلّا والزّبير على رأس الحصن يكبّر ومعه السّيف ، وتحامل الناس على السّلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن ينكسر . وكبّر الزّبير ، فكبّرت الناس معه ، وأجابهم المسلمون من خارج ، فلم يشكّ أهل الحصن أنّ العرب قد اقتحموا جميعا ، فهربوا . وعمد الزّبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه ، واقتحم المسلمون الحصن . فخاف المقوقس على نفسه ومن معه ، فحينئذ سأل عمرو بن العاص الصّلح ودعاه إليه ، على أن يفرض للعرب على القبط دينارين على كلّ رجل منهم ، فأجابه عمرو إلى ذلك . وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر « 4 » .
--> ( a ) بولاق : أهب اللّه نفسي . ( 1 ) ابن سعيد : المغرب 22 . ( 2 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 61 - 62 . ( 3 ) حاشية بخط المؤلّف : « هذا السّلّم أحرق بعضه ثم احترق ما بقي منه بعد سنة تسعين وثلاث مائة ، قاله القضاعي » . ( 4 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 63 ؛ ابن سعيد : المغرب 23 - 24 ؛ أبو المحاسن : النجوم 1 : 9 - 10 .