المقريزي

4

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

واستمرّ سكنى الرّعيّة بالفسطاط ، وبلغ من وفور العمارة وكثرة الخلائق ما أربى على عامّة مدن المعمور - حاشا بغداد « 1 » - وما زال على ذلك حتى تغلّب الفرنج على سواحل البلاد الشّاميّة ، ونزل مرّي [ Amaury ] ملك الفرنج بجموعه الكثيرة على بركة الحبش يريد الاستيلاء على مملكة مصر وأخذ الفسطاط والقاهرة . فعجز الوزير شاور بن مجير السّعدي عن حفظ البلدين معا ، فأمر النّاس بإخلاء مدينة الفسطاط واللّحاق بالقاهرة للامتناع من الفرنج - وكانت القاهرة إذ ذاك من الحصانة والامتناع بحيث لا ترام - فارتحل النّاس من الفسطاط ، وساروا بأسرهم إلى القاهرة ، وأمر شاور فألقى العبيد النّار في الفسطاط ، فلم تزل به بضعا وخمسين يوما حتى احترقت أكثر مساكنه « 2 » . فلمّا رحل مرّي [ Amaury ] عن القاهرة ، واستولى شيركوه على الوزارة ، تراجع النّاس إلى الفسطاط ورمّوا بعض شعثه ، ولم يزل في نقص وخراب إلى يومنا هذا . وقد صار الفسطاط يعرف في زمننا ب « مدينة مصر » ، واللّه أعلم . ذكر ما كان عليه موضع الفسطاط قبل الإسلام إلى أن اختطّه المسلمون مدينة اعلم أنّ موضع « الفسطاط » - الذي يقال له اليوم « مدينة مصر » - كان فضاء ومزارع فيما بين النّيل والجبل الشّرقي الذي يعرف بالجبل المقطّم ، ليس فيه من البناء والعمارة سوى حصن ، يعرف اليوم بعضه ب « قصر الشّمع » وب « المعلّقة » ، ينزل به شحنة الرّوم المتولّي على مصر من قبل القياصرة ملوك الرّوم ، عند مسيره من مدينة الإسكندرية ، ويقيم فيه ما شاء ، ثم يعود إلى دار الإمارة ومنزل الملك من الإسكندرية . وكان هذا الحصن مطلّا على النّيل ، وتصل السّفن في النّيل إلى بابه الغربي الذي كان يعرف بباب الحديد ، ومنه ركب المقوقس في السّفن « a » حين غلبه المسلمون على الحصن المذكور ، وصار

--> ( a ) بعد ذلك في بولاق : في النيل من بابه الغربي ! ( 1 ) ذكر الرحالة المقدسي البشاري الذي زار مصر في نهاية القرن الرابع الهجري بعد تأسيس الفاطميين لدولتهم في مصر في حديثه عن الفسطاط أنّه « مصر مصر وناسخ بغداد ومفخر الإسلام ومتجر الأنام ، وأجل من مدينة السلام . . . ليس في الأمصار آهل منه . . . » ( المقدسي : أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم 197 ) ، وانظر فيما يلي 207 . ( 2 ) فيما يلي 142 - 146 .