المقريزي
مقدمة 8
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وتوضّح لنا هذه المسوّدة منهج واحد من كبار علماء المسلمين ومؤرّخيهم في التّصنيف . ففي المخطوطة حذف وكشط وشطب كثير وإضافات عديدة ومطوّلة على هوامش الصّفحات وفي طيّارات بين أوراق الكتاب وتعديل لبعض النّصوص وإشارة بنقلها عند التّبييض إلى مكان آخر أليق بها ، والتنبيه إلى استكمال النّقل أو الرّجوع إلى مصادر أخرى تعرّف عليها المقريزي بعد كتابته للمسوّدة . فكان نشر مسوّدة الخطط - رغم عدم كمالها - هو السّبيل الوحيد لتقديم نصّ صحيح لقسم مختصر من كتاب « المواعظ والاعتبار » للمقريزي ، وذلك انتظارا لإخراج تحقيق كامل لأهم كتاب في تاريخ مصر الإسلامية اعتمادا على أصحّ نسخة المخطوطة وأتمّها . الكتاب ومؤلّفه 1 - موضوع الكتاب وما ألّف فيه من قبل عرف فنّ كتابة الخطط ( الطّبوغرافيا ) - وهو نوع من الجغرافيا التاريخية الإقليمية - في كثير من أقطار العالم الإسلامي حيث اشتملت مقدّمات الكتب التي أرّخت للمدن الإسلامية مثل « تاريخ بغداد » للخطيب البغدادي و « تاريخ دمشق » لابن عساكر و « الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشّام والجزيرة » لابن شدّاد على أوصاف طبوغرافية لهذه المدن ، ومع ذلك فنستطيع القول إنّ هذا الفنّ من الفنون التي اختصّت بها مصر الإسلامية ونما تطوّر بها على مدى تاريخها الطّويل ، وكان له فيها تاريخ مجيد مهّد الطّريق إلى الاكتمال الذي بلغه هذا الفنّ في مؤلّف المقريزي الضّخم « المواعظ والاعتبار » الذي يعدّ بلا جدال أكبر ممثّل لنمط « الخطط » . فالكتاب أحد مفاخر التّراث العربي ، فهو أشمل وأوسع كتاب كتب عن مدينة إسلامية تناول فيه مؤلّفه بطريقة تدعو إلى الإعجاب الظّواهر التاريخية والعمرانية والطّبوغرافية للمدينة ، وهو بذلك يختلف عن « تاريخ بغداد » للخطيب البغدادي و « تاريخ مدينة دمشق » للحافظ ابن عساكر ؛ فهذان الكتابان - وهما أكبر ما ألّف في تواريخ المدن - اتّبعا منهجا مخالفا ، وكان غرض مؤلّفيهما هو الترجمة لمن ولد أو أقام أو دخل أو توفّي في هاتين المدينتين من الخلفاء والسّلاطين والعلماء والأدباء والشعراء والفقهاء . . . إلخ ، ( وهو ما فعله المقريزي في كتابه « المقفّى الكبير » ) مع مقدّمة في وصف المدينة وتخطيطها لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بعمل المقريزي الذي بلغ