المقريزي

3

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم الحمد للّه الذي عرّف وفهّم وعلّم الإنسان ما لم يكن يعلم ، وأسبغ على عباده نعما ظاهرة وباطنة « ( a » ، ووالى عليهم من مزيد آلائه مننا متظافرة متواترة ، وبثّهم في أرضه حينا يتقلّبون ، واستخلفهم في ماله فهم به يتنعّمون . وهدى قوما إلى اقتناص شوارد المعارف والعلوم ، وشوّقهم للتّفنّن في مسارح التّدبّر والرّكض بميادين الفهوم ، وأرشد قوما إلى الانقطاع من دون الخلق إليه ، ووفّقهم للاعتماد في كلّ أمر عليه . وصرف آخرين عن كلّ مكرمة وفضيلة ، وقيّض لهم قرناء قادوهم إلى كلّ ذميمة من الأخلاق ورذيلة . وطبع على قلوب آخرين فلا يكادون يفقهون قولا ، وثبّطهم عن سبل الخيرات فما استطاعوا قوّة ولا حولا . ثم حكم على الكلّ بالفناء ، ونقلهم جميعا من دار التّمحيص والابتلاء ، إلى برزخ البيود والبلاء ، وسيحشرهم أجمعين إلى دار الجزاء ، ليوفيّ كلّ عامل منهم عمله ، ويسأله عمّا أعطاه وخوّله ، وعن موقفه بين يديه سبحانه وما أعدّ له ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الآية 23 سورة الأنبياء ] . أحمده سبحانه حمد من علم أنّه إله لا يعبد إلّا إيّاه ، ولا خالق للخلق سواه ، حمدا يقتضي المزيد من النّعماء ، ويوالي المنن بتجدّد الآلاء . وصلّى اللّه على سيّدنا محمد عبده ورسوله ، ونبيّه وخليله ، سيّد البشر ، وأفضل من مضى وعبر ، الجامع المحاسن الأخلاق والسّير ، والمستحق لاسم الكمال على الإطلاق من البشر ، الذي كان نبيّا وآدم بين الماء والطّين ، ورقم اسمه من الأزل في علّيين ، ثم تنقّل من الأصلاب الفاخرة الزكية إلى الأرحام الطّاهرة المرضيّة ، حتى بعثه اللّه - عزّ وجل - إلى الخلائق أجمعين ، وختم به الأنبياء والمرسلين ، وأعطاه ما لم يعط من الفضل « ( b » أحدا من العالمين ، وعلى آله وصحابته والتّابعين ، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين .

--> ( a بولاق : باطنة وظاهرة . ( b ساقطة من بولاق .