المقريزي

مقدمة 107

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

مخطوطات الكتاب عندما بدأت في جمع مخطوطات كتاب « المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار » للمقريزي لأنتقي منها الأصول الصّحيحة التي سأعتمد عليها في إخراج نصّ صحيح تامّ للكتاب ، لم ألبث أن وجدت أنّ مخطوطات هذا الكتاب المحفوظة في مختلف مكتبات العالم تمثّل عددا هائلا مخيفا مثبّطا لهمّة أكثر الباحثين حميّة ونشاطا ؛ فعدد نسخه الموجودة يتعدّى المائة وثمانين نسخة ، سواء النّسخ الكاملة أو الأجزاء والقطع . وتحتوي مكتبات إستانبول والأناضول وحدها على أكثر من خمس وثلاثين نسخة والمكتبة البريطانية على أربع عشرة نسخة والمكتبة الوطنية في باريس على ثمان وعشرين نسخة ، بينما تمتلك دار الكتب المصرية خمس عشرة نسخة فقط . كان لابد من اختيار أكثر هذه النّسخ أصالة واكتمالا وقربا من زمن المؤلّف ، خاصّة وأنّ جاستون فييت Gaston Wiet عندما بدأ في نشر هذا الكتاب منذ أكثر من تسعين عاما ، سنة 1911 م ، وجد أنّ أكثر النّسخ التي رجع إليها تقدّم للقارئ حشدا ضخما من أخطاء النّسّاخ وتصحيفاتهم ، فالكتاب مليء بأسماء الأعلام الأعجمية وبالمصطلحات الغريبة التي شوّهها وحرّفّها وصحّفها النّسّاخ بطريقة فاحشة مضجرة ، كما أنّ عائلة النّسخ التي اعتمدت عليها طبعة بولاق - التي لا نعرف عن أصولها أي شيء - هي أسوأ عائلات نسخ الكتاب حيث جاءت - إلى جانب كثرة التّصحيف والتّحريف - مليئة بالسّقط وأحيانا بالتّلفيق . حقيقة أنّ جاستون فييت استند في القسم الذي أخرجه على أصحّ المخطوطات المعروفة في وقته ، وبينها ما نقل من خطّ المؤلّف كما سأوضّح بعد قليل ، وقام بعمل هام ، إلّا أنّه أرهق نفسه وأرهق قارءه بإثباته لفروق النّسخ والقراءات المختلفة التي وجدها ، رغم أنّ جميعها لا يعدو أن يكون تصحيفات وتحريفات من عمل النّسّاخ ، ممّا دفعه في نهاية الأمر إلى إيقاف مشروعه ، كما أنّ نشرته نادرة الوجود ولا تشتمل إلّا على نحو ربع الكتاب فقط الذي تناول فيه المقريزي تاريخ مصر القديم وأسماء المدن المصرية ، والصّفحات الأولى من الجزء الثاني من أصل الكتاب المخصّص لمدن الفسطاط والعسكر والقطائع . أي أنّ نشرته لم تصل إلى الأقسام المتعلّقة بتاريخ القاهرة وقلعة الجبل وتحديد مواضع الحارات والأخطاط والحمّامات والأسواق والدّور والخانات ، ووصف الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق التي تعدّ أساس الكتاب وصلبه . لذلك لم